فهرس الكتاب

الصفحة 1087 من 4314

و قوله:"و من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا"الظاهر أنها معترضة يبين بها أنهم في أمرهم هذا مفتونون بفتنة إلهية ، فلتطب نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن الأمر من الله وإليه وليس يملك منه تعالى شيء في ذلك ، ولا موجب للتحزن فيما لا سبيل إلى التخلص منه.

وقوله:"أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم"فقلوبهم باقية على قذارتها الأولية لما تكرر منهم من الفسق بعد الفسق فأضلهم الله به ، وما يضل به إلا الفاسقين.

وقوله:"لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم"إيعاد لهم بالخزي في الدنيا وقد فعل بهم ، وبالعذاب العظيم في الآخرة.

قوله تعالى:"سماعون للكذب أكالون للسحت"قال الراغب في المفردات: ، السحت القشر الذي يستأصل ، قال تعالى:"فيسحتكم بعذاب"وقرىء: فيسحتكم أي بفتح الياء يقال: سحته وأسحته ، ومنه السحت للمحظور الذي يلزم صاحبه العار كأنه يسحت دينه ومروءته ، قال تعالى:"أكالون للسحت"أي لما يسحت دينهم ، وقال (عليه السلام) : كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به ، وسمي الرشوة سحتا.

انتهى.

فكل مال اكتسب من حرام فهو سحت ، والسياق يدل على أن المراد بالسحت في الآية هو الرشا ويتبين من إيراد هذا الوصف في المقام أن علماءهم الذين بعثوا طائفة منهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا قد أخذوا في الواقعة رشوة لتحريف حكم الله فقد كان الحكم مما يمكن أن يتضرر به بعضه فسد الباب بالرشوة ، فأخذوا الرشوة وغيروا حكم الله تعالى.

ومن هنا يظهر أن قوله تعالى:"سماعون للكذب أكالون للسحت"باعتبار المجموع وصف لمجموع القوم ، وأما بحسب التوزيع فقوله:"سماعون للكذب"وصف لقوله:"الذين هادوا"وهم المبعوثون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن في حكمهم من التابعين ، وقوله:"أكالون للسحت"وصف لقوم آخرين ، والمحصل أن اليهود منهم علماء يأكلون الرشا ، وعامة مقلدون سماعون لأكاذبيهم.

قوله تعالى:"فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"إلى آخر الآية تخيير للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أن يحكم بينهم إذا حكموه أو يعرض عنهم ، ومن المعلوم أن اختيار أحد الأمرين لم يكن يصدر منه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا لمصلحة داعية فيئول إلى إرجاع الأمر إلى نظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورأيه.

ثم قرر تعالى هذا التخيير بأنه ليس عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرر لو ترك الحكم فيهم وأعرض عنهم ، وبين له أنه لو حكم بينهم فليس له أن يحكم إلا بالقسط والعدل.

فيعود المضمون بالآخرة إلى أن الله سبحانه لا يرضى أن يجري بينهم إلا حكمه فإما أن يجري فيهم ذلك أو يهمل أمرهم فلا يجري من قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم آخر.

قوله تعالى:"و كيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين"تعجيب من فعالهم أنهم أمة ذات كتاب وشريعة وهم منكرون لنبوتك وكتابك وشريعتك ثم يبتلون بواقعة في كتابهم حكم الله فيها ، ثم يتولون بعد ما عندهم التوراة فيها حكم الله والحال أن أولئك المبتعدين من الكتاب وحكمه ليسوا بالذين يؤمنون بذلك.

وعلى هذا المعنى فقوله:"ثم يتولون من بعد ذلك"أي عن حكم الواقعة مع كون التوراة عندهم وفيها حكم الله ، وقوله:"و ما أولئك بالمؤمنين"أي بالذين يؤمنون بالتوراة وحكمها ، فهم تحولوا من الإيمان بها وبحكمها إلى الكفر.

ويمكن أن يفهم من قوله:"ثم يتولون"، التولي عما حكم به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن قوله:"و ما أولئك بالمؤمنين"نفي الإيمان بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما كان يظهر من رجوعهم إليه وتحكيمهم إياه ، أو نفي الإيمان بالتوراة وبالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جميعا ، لكن ما تقدم من المعنى أنسب لسياق الآيات.

وفي الآية تصديق ما للتوراة التي عند اليهود اليوم ، وهي التي جمعها لهم عزراء بإذن"كورش"ملك إيران بعد ما فتح بابل ، وأطلق بني إسرائيل من أسر البابليين وأذن لهم في الرجوع إلى فلسطين وتعمير الهيكل ، وهي التي كانت بيدهم في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهي التي بيدهم اليوم ، فالقرآن يصدق أن فيها حكم الله ، وهو أيضا يذكر أن فيها تحريفا وتغييرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت