فهرس الكتاب

الصفحة 1088 من 4314

و يستنتج من الجميع: أن التوراة الموجودة الدائرة بينهم اليوم فيها شيء من التوراة الأصلية النازلة على موسى (عليه السلام) وأمور حرفت وغيرت إما بزيادة أو نقصان أو تغيير لفظ أو محل أو غير ذلك ، وهذا هو الذي يراه القرآن في أمر التوراة ، والبحث الوافي عنها أيضا يهدي إلى ذلك.

قوله تعالى:"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون"إلخ بمنزلة التعليل لما ذكر في الآية السابقة ، وهي وما بعدها من الآيات تبين أن الله سبحانه شرع لهذه الأمم على اختلاف عهودهم شرائع ، وأودعها في كتب أنزلها إليهم ليهتدوا بها ويتبصروا بسببها ، ويرجعوا إليها فيما اختلفوا فيه ، وأمر الأنبياء والعلماء منهم أن يحكموا بها ، ويتحفظوا عليها ويقوها من التغيير والتحريف ، ولا يطلبوا في الحكم ثمنا ليس إلا قليلا ، ولا يخافوا فيها إلا الله سبحانه ولا يخشوا غيره.

وأكد ذلك عليهم وحذرهم اتباع الهوى ، وتفتين أبناء الدنيا ، وإنما شرع من الأحكام مختلفا باختلاف الأمم والأزمان ليتم الامتحان الإلهي فإن استعداد الأزمان مختلف بمرور الدهور ، ولا يستكمل المختلفان في الاستعداد شدة وضعفا بمكمل واحد من التربية العلمية والعملية على وتيرة واحدة.

فقوله:"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور"أي شيء من الهداية يهتدي بها ، وشيء من النور يتبصر به من المعارف والأحكام على حسب حال بني إسرائيل ، ومبلغ استعدادهم ، وقد بين الله سبحانه في كتابه عامة أخلاقهم ، وخصوصيات أحوال شعبهم ومبلغ فهمهم ، فلم ينزل إليهم من الهداية إلا بعضها ومن النور إلا بعضه لسبق عهدهم وقدمة أمتهم ، وقلة استعدادهم ، قال تعالى:"و كتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء": الأعراف: 154.

وقوله:"يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا"إنما وصف النبيين بالإسلام وهو التسليم لله ، الذي هو الدين عند الله سبحانه للإشارة إلى أن الدين واحد ، وهو الإسلام لله وعدم الاستنكاف عن عبادته ، وليس لمؤمن بالله - وهو مسلم له - أن يستكبر عن قبول شيء من أحكامه وشرائعه.

وقوله:"و الربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء"أي ويحكم بها الربانيون وهم العلماء المنقطعون إلى الله علما وعملا ، أو الذين إليهم تربية الناس بعلومهم بناء على اشتقاق اللفظ من الرب أو التربية ، والأحبار وهم الخبراء من علمائهم يحكمون بما أمرهم الله به وأراده منهم أن يحفظوه من كتاب الله ، وكانوا من جهة حفظهم له وتحملهم إياه شهداء عليه لا يتطرق إليه تغيير وتحريف لحفظهم له في قلوبهم ، فقوله:"و كانوا عليه شهداء"بمنزلة النتيجة لقوله:"بما استحفظوا"إلخ أي أمروا بحفظه فكانوا حافظين له بشهادتهم عليه.

وما ذكرناه من معنى الشهادة هو الذي يلوح من سياق الآية ، وربما قيل: إن المراد بها الشهادة على حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرجم أنه ثابت في التوراة ، وقيل: إن المراد الشهادة على الكتاب أنه من عند الله وحده لا شريك له ، ولا شاهد من جهة السياق يشهد على شيء من هذين المعنيين.

وأما قوله تعالى:"فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا"فهو متفرع على قوله:"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها"، أي لما كانت التوراة منزلة من عندنا مشتملة على شريعة يقضي بها النبيون والربانيون والأحبار بينكم فلا تكتموا شيئا منها ولا تغيروها خوفا أو طمعا ، أما خوفا فبأن تخشوا الناس وتنسوا ربكم بل الله فاخشوا حتى لا تخشوا الناس ، وأما طمعا فبأن تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا هو مال أو جاه دنيوي زائل باطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت