و يمكن أن يكون متفرعا على قوله:"بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء"بحسب المعنى لأنه في معنى أخذ الميثاق على الحفظ أي أخذنا منهم الميثاق على حفظ الكتاب وأشهدناهم عليه أن لا يغيروه ولا يخشوا في إظهاره غيري ، ولا يشتروا بآياتي ثمنا قليلا ، قال تعالى:"و إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا": آل عمران: 178 وقال تعالى:"فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه أ لم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أ فلا تعقلون والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين": الأعراف: 107.
وهذا المعنى الثاني لعله أنسب وأوفق لما يتلوه من التأكيد والتشديد بقوله:"و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون".
قوله تعالى:"و كتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس - إلى قوله والجروح قصاص"السياق وخاصة بالنظر إلى قوله:"و الجروح قصاص"يدل على أن المراد به بيان حكم القصاص في أقسام الجنايات من القتل والقطع والجرح ، فالمقابلة الواقعة في قوله:"النفس بالنفس"وغيره إنما وقعت بين المقتص له والمقتص به والمراد به أن النفس تعادل النفس في باب القصاص ، والعين تقابل العين والأنف الأنف وهكذا والباء للمقابلة كما في قولك: بعت هذا بهذا.
فيئول معنى الجمل المتسقة إلى أن النفس تقتل بالنفس ، والعين تفقأ بالعين والأنف تجدع بالأنف ، والأذن تصلم بالأذن ، والسن تقلع بالسن والجروح ذوات قصاص ، وبالجملة أن كلا من النفس وأعضاء الإنسان مقتص بمثله.
ولعل هذا هو مراد من قدر في قوله:"النفس بالنفس"إن النفس مقتصة أو مقتولة بالنفس وهكذا وإلا فالتقدير بمعزل عن الحاجة ، والجمل تامة من دونه والظرف لغو.
والآية لا تخلو من إشعار بأن هذا الحكم غير الحكم الذي حكموا فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتذكره الآيات السابقة فإن السياق قد تجدد بقوله:"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور".
والحكم موجود في التوراة الدائرة على ما سيجيء نقله في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"فمن تصدق به فهو كفارة له"أي فمن عفا من أولياء القصاص كولي المقتول أو نفس المجني عليه والمجروح عن الجاني ، ووهبه ما يملكه من القصاص فهو أي العفو كفارة لذنوب المتصدق أو كفارة عن الجاني في جنايته.
والظاهر من السياق أن الكلام في تقدير قولنا: فإن تصدق به من له القصاص فهو كفارة له ، وإن لم يتصدق فليحكم صاحب الحكم بما أنزله الله من القصاص ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.
وبذلك يظهر أولا: أن الواو في قوله:"و من لم يحكم"للعطف على قوله:"من تصدق"لا للاستيناف كما أن الفاء في قوله:"فمن تصدق"للتفريع: تفريع المفصل على المجمل ، نظير قوله تعالى في آية القصاص:"فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان": البقرة: 187.
وثانيا: أن قوله:"و من لم يحكم"، من قبيل وضع العلة موضع معلولها والتقدير: وإن لم يتصدق فليحكم بما أنزل الله فإن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.
قوله تعالى:"و قفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة"التقفية جعل الشيء خلف الشيء وهو مأخوذ من القفا ، والآثار جمع أثر وهو ما يحصل من الشيء مما يدل عليه ، ويغلب استعماله في الشكل الحاصل من القدم ممن يضرب في الأرض ، والضمير في"آثارهم"للأنبياء.
فقوله:"و قفينا على آثارهم بعيسى بن مريم"استعارة بالكناية أريد بها الدلالة على أنه سلك به (عليه السلام) المسلك الذي سلكه من قبله من الأنبياء ، وهو طريق الدعوة إلى التوحيد والإسلام لله.
وقوله:"مصدقا لما بين يديه من التوراة"تبيين لما تقدمه من الجملة وإشارة إلى أن دعوة عيسى هي دعوة موسى (عليه السلام) من غير بينونة بينهما أصلا.