فهرس الكتاب

الصفحة 1090 من 4314

قوله تعالى:"و آتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة"إلخ سياق الآيات من جهة تعرضها لحال شريعة موسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزولها في حق كتبهم يقضي بانطباق بعضها على بعض ولازم ذلك: أولا: أن الإنجيل المذكور في الآية - ومعناها البشارة - كان كتابا نازلا على المسيح (عليه السلام) لا مجرد البشارة من غير كتاب غير أن الله سبحانه لم يفصل القول في كلامه في كيفية نزوله على عيسى كما فصله في خصوص التوراة والقرآن قال تعالى في حق التوراة:"قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما ءاتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء": الأعراف: 154 وقال:"أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون": الأعراف: 145.

وقال في خصوص القرآن:"نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين": الشعراء: 159 وقال:"نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين": الشعراء: 159 وقال:"إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين": التكوير: 21 وقال:"في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة": عبس: 16 وهو سبحانه لم يذكر في تفصيل نزول الإنجيل ومشخصاته شيئا ، لكن ذكره نزوله على عيسى في الآية محاذيا لذكر نزول التوراة على موسى في الآية السابقة ، ونزول القرآن على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يدل على كونه كتابا في عرض الكتابين.

وثانيا: أن قوله تعالى في وصف الإنجيل:"فيه هدى ونور"محاذاة لقوله في وصف التوراة:"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور"يراد به ما يشتمل عليه الكتاب من المعارف والأحكام غير أن قوله تعالى في هذه الآية ثانيا:"و هدى وموعظة للمتقين"يدل على أن الهدى المذكور أولا غير الهدى الذي تفسيره الموعظة فالهدى المذكور أولا هو نوع المعارف التي يحصل بها الاهتداء في باب الاعتقادات ، وأما ما يهدي من المعارف إلى التقوى في الدين فهو الذي يراد بالهدى المذكور ثانيا.

وعلى هذا لا يبقى لقوله:"و نور"من المصداق إلا الأحكام والشرائع ، والتدبر ربما ساعد على ذلك فإنها أمور يستضاء بها ويسلك في ضوئها وتنورها مسلك الحياة ، وقد قال تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": الأنعام: 122.

وقد ظهر بذلك: أن المراد بالهدى في وصف التوراة وفي وصف الإنجيل أولا هو نوع المعارف الاعتقادية كالتوحيد والمعاد ، وبالنور في الموضعين نوع الشرائع والأحكام ، وبالهدى ثانيا في وصف الإنجيل هو نوع المواعظ والنصائح ، والله أعلم.

وظهر أيضا وجه تكرار الهدى في الآية فالهدى المذكور ثانيا غير الهدى المذكور أولا وأن قوله"و موعظة"من قبيل عطف التفسير والله أعلم.

وثالثا: أن قوله ثانيا في وصف الإنجيل:"و مصدقا لما بين يديه من التوراة"ليس من قبيل التكرار لتأكيد ونحوه بل المراد به تبعية الإنجيل لشريعة التوراة فلم يكن في الإنجيل إلا الإمضاء لشريعة التوراة والدعوة إليها إلا ما استثناه عيسى المسيح على ما حكاه الله تعالى من قوله:"و لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم": آل عمران: 50.

والدليل على ذلك قوله تعالى في الآية الآتية في وصف القرآن:"و أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه"على ما سيجيء من البيان.

قوله تعالى:"و هدى وموعظة للمتقين"قد مر توضيحه ، والآية تدل على أن في الإنجيل النازل على المسيح عناية خاصة بالتقوى في الدين مضافا إلى ما يشتمل عليه التوراة من المعارف الاعتقادية والأحكام العملية ، والتوراة الدائرة بينهم اليوم وإن لم يصدقها القرآن كل التصديق ، وكذا الأناجيل الأربعة المنسوبة إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا وإن كانت غير ما يذكره القرآن من الإنجيل النازل على المسيح نفسه لكنها مع ذلك كله تصدق هذا المعنى كما سيجيء إن شاء الله الإشارة إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت