فهرس الكتاب

الصفحة 1091 من 4314

قوله تعالى:"و ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه"إلخ وقد أنزل فيه تصديق التوراة في شرائعها إلا ما استثني من الأحكام المنسوخة التي ذكرت في الإنجيل النازل على عيسى (عليه السلام) ، فإن الإنجيل لما صدق التوراة فيما شرعته ، وأحل بعض ما حرم فيها كان العمل بما في التوراة في غير ما أحلها الإنجيل من المحرمات عملا بما أنزل الله في الإنجيل وهو ظاهر.

ومن هنا يظهر ضعف ما استدل بعض المفسرين بالآية على أن الإنجيل مشتمل على صرائع مفصلة كما اشتملت عليه التوراة ، ووجه الضعف ظاهر.

وأما قوله:"و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون"فهو تشديد في الأمر المدلول عليه بقوله:"و ليحكم"، وقد كرر الله سبحانه هذه الكلمة للتشديد ثلاث مرات: مرتين في أمر اليهود ومرة في أمر النصارى باختلاف يسير فقال:"و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، فأولئك هم الظالمون ، فأولئك هم الفاسقون"فسجل عليهم الكفر والظلم والفسق.

ولعل الوجه في ذكر الفسق عند التعرض لما يرجع إلى النصارى ، والكفر والظلم فيما يعود إلى اليهود أن النصارى بدلوا التوحيد تثليثا ورفضوا أحكام التوراة بأخذ بولس دين المسيح دينا مستقلا منفصلا عن دين موسى مرفوعا فيه الأحكام بالتفدية فخرجت النصارى بذلك عن التوحيد وشريعته بتأول ففسقوا عن دين الله الحق ، والفسق خروج الشيء من مستقره كخروج لب التمرة عن قشرها.

وأما اليهود فلم يشتبه عليهم الأمر فيما عندهم من دين موسى (عليه السلام) وإنما ردوا الأحكام والمعارف التي كانوا على علم منها وهو الكفر بآيات الله والظلم لها.

والآيات الثلاث أعني قوله:"و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، فأولئك هم الظالمون ، فأولئك هم الفاسقون"آيات مطلقة لا تختص بقوم دون قوم ، وإن انطبقت على أهل الكتاب في هذا المقام.

وقد اختلف المفسرون في معنى كفر من لم يحكم بما أنزل الله كالقاضي يقضي بغير ما أنزل الله ، والحاكم يحكم على خلاف ما أنزل الله ، والمبتدع يستن بغير السنة وهي مسألة فقهية الحق فيها أن المخالفة لحكم شرعي أو لأي أمر ثابت في الدين في صورة العلم بثبوته والرد له توجب الكفر ، وفي صورة العلم بثبوته مع عدم الرد له توجب الفسق ، وفي صورة عدم العلم بثبوته مع الرد له لا توجب كفرا ولا فسقا لكونه قصورا يعذر فيه إلا أن يكون قصر في شيء من مقدماته وليراجع في ذلك كتب الفقه.

قوله تعالى:"و أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه"هيمنة الشيء على الشيء - على ما يتحصل من معناها - كون الشيء ذا سلطة على الشيء في حفظه ومراقبته وأنواع التصرف فيه ، وهذا حال القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه تبيان كل شيء بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب السماوية: يحفظ منها الأصول الثابتة غير المتغيرة وينسخ منها ما ينبغي أن ينسخ من الفروع التي يمكن أن يتطرق إليها التغير والتبدل حتى يناسب حال الإنسان بحسب سلوكه صراط الترقي والتكامل بمرور الزمان قال تعالى:"إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم": إسراء: 9 وقال:"ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها": البقرة: 160 وقال:"الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون": الأعراف: 175.

فهذه الجملة أعني قوله:"و مهيمنا عليه"متممة لقول:"و مصدقا لما بين يديه من الكتاب"تتميم إيضاح إذ لولاها لأمكن أن يتوهم من تصديق القرآن للتوراة والإنجيل أنه يصدق ما فيهما من الشرائع والأحكام تصديق إبقاء من غير تغيير وتبديل لكن توصيفه بالهيمنة يبين أن تصديقه لها تصديق أنها معارف وشرائع حقة من عند الله ولله أن يتصرف منها فيما يشاء بالنسخ والتكميل كما يشير إليه قوله ذيلا:"و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت