فهرس الكتاب

الصفحة 1092 من 4314

فقول:"مصدقا لما بين يديه"معناه تقرير ما فيها من المعارف والأحكام بما يناسب حال هذه الأمة فلا ينافيه ما تطرق إليها من النسخ والتكميل والزيادة كما كان المسيح (عليه السلام) أو إنجيله مصدقا للتوراة مع إحلاله بعض ما فيها من المحرمات كما حكاه الله عنه في قوله:"و مصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم": آل عمران: 50.

قوله تعالى:"فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق"أي إذا كانت الشريعة النازلة إليك المودعة في الكتاب حقا وهو حق فيما وافق ما بين يديه من الكتب وحق فيما خالفه لكونه مهيمنا عليه فليس لك إلا أن تحكم بين أهل الكتاب - كما يؤيده ظاهر الآيات السابقة - أو بين الناس - كما تؤيده الآيات اللاحقة - بما أنزل الله إليك ولا تتبع أهواءهم بالإعراض والعدول عما جاءك من الحق.

ومن هنا يظهر جواز أن يراد بقوله:"فاحكم بينهم"الحكم بين أهل الكتاب أو الحكم بين الناس لكن تبعد المعنى الأول حاجته إلى تقدير كقولنا فاحكم بينهم إن حكمت ، فإن الله سبحانه لم يوجب عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحكم بينهم بل خيره بين الحكم والإعراض بقوله:"فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"الآية على أن الله سبحانه ذكر المنافقين مع اليهود في أول الآيات فلا موجب لاختصاص اليهود برجوع الضمير إليهم لسبق الذكر وقد ذكر معهم غيرهم ، فالأنسب أن يرجع الضمير إلى الناس لدلالة المقام.

ويظهر أيضا أن قوله:"عما جاءك"متعلق بقوله:"و لا تتبع"بإشرابه معنى العدول أو الإعراض.

قوله تعالى:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا"قال الراغب في المفردات: ، الشرع نهج الطريق الواضح يقال: شرعت له طريقا والشرع مصدر ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له: شرع وشرع وشريعة ، واستعير ذلك للطريقة الإلهية قال:"شرعة ومنهاجا"- إلى أن قال - قال بعضهم: سميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء انتهى.

ولعل الشريعة بالمعنى الثاني مأخوذ من المعنى الأول لوضوح طريق الماء عندهم بكثرة الورود والصدور وقال: النهج بالفتح فالسكون: الطريق الواضح ، ونهج الأمر وأنهج وضح ، ومنهج الطريق ومنهاجه.

كلام في معنى الشريعة والفرق بينها وبين الدين والملة في عرف القرآن

معنى الشريعة كما عرفت هو الطريقة ، والدين وكذلك الملة طريقة متخذة لكن الظاهر من القرآن أنه يستعمل الشريعة في معنى أخص من الدين كما يدل عليه قوله تعالى:"إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران: 19 ، وقوله تعالى:"و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين": آل عمران: 85 إذا انضما إلى قوله:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا"الآية وقوله:"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها": الجاثية: 18.

فكان الشريعة هي الطريقة الممهدة لأمة من الأمم أو لنبي من الأنبياء الذين بعثوا بها كشريعة نوح وشريعة إبراهيم وشريعة موسى وشريعة عيسى وشريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والدين هو السنة والطريقة الإلهية العامة لجميع الأمم فالشريعة تقبل النسخ دون الدين بمعناه الوسيع.

وهناك فرق آخر وهو أن الدين ينسب إلى الواحد والجماعة كيفما كانا ، ولكن الشريعة لا تنسب إلى الواحد إلا إذا كان واضعها أو القائم بأمرها يقال: دين المسلمين ودين اليهود وشريعتهم ، ويقال: دين الله وشريعته ودين محمد وشريعته ، ويقال: دين زيد وعمرو ، ولا يقال: شريعة زيد وعمرو ، ولعل ذلك لما في لفظ الشريعة من التلميح إلى المعنى الحدثي وهو تمهيد الطريق ونصبه فمن الجائز أن يقال: الطريقة التي مهدها الله أو الطريقة التي مهدت للنبي أو للأمة الفلانية دون أن يقال: الطريقة التي مهدت لزيد إذ لا اختصاص له بشيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت