فهرس الكتاب

الصفحة 1093 من 4314

و كيف كان فالمستفاد منها أن الشريعة أخص معنى من الدين وأما قوله تعالى:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى": الشورى: 13 فلا ينافي ذلك إذ الآية إنما تدل على أن شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) المشروعة لأمته هي مجموع وصايا الله سبحانه لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى مضافا إليها ما أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وآله وعليهم ، وهو كناية إما عن كون الإسلام جامعا لمزايا جميع الشرائع السابقة وزيادة ، أو عن كون الشرائع جميعا ذات حقيقة واحدة بحسب اللب وإن كانت مختلفة بحسب اختلاف الأمم في الاستعداد كما يشعر به أو يدل عليه قوله بعده:"أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه": الشورى: 13.

فنسبة الشرائع الخاصة إلى الدين - وهو واحد والشرائع تنسخ بعضها بعضا - كنسبة الأحكام الجزئية في الإسلام فيها ناسخ ومنسوخ إلى أصل الدين ، فالله سبحانه لم يتعبد عباده إلا لدين واحد وهو الإسلام له إلا أنه سلك بهم لنيل ذلك مسالك مختلفة وسن لهم سننا متنوعة على حسب اختلاف استعداداتهم وتنوعها ، وهي شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم كما أنه تعالى ربما نسخ في شريعة واحدة بعض الأحكام ببعض لانقضاء مصلحة الحكم المنسوخ وظهور مصلحة الحكم الناسخ كنسخ الحبس المخلد في زنا النساء بالجلد والرجم وغير ذلك ، ويدل على ذلك قوله تعالى:"و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم"الآية.

وأما الملة فكان المراد بها السنة الحيوية المسلوكة بين الناس ، وكان فيها معنى الإملال والإملاء فيكون هي الطريقة المأخوذة من الغير ، وليس الأصل في معناه واضحا ذاك الوضوح ، فالأشبه أن تكون مرادفة للشريعة بمعنى أن الملة كالشريعة هي الطريقة الخاصة بخلاف الدين ، وإن كان بينهما فرق من حيث إن الشريعة تستعمل فيها بعناية أنها سبيل مهده الله تعالى لسلوك الناس إليه ، والملة إنما تطلق عليها لكونها مأخوذة عن الغير بالإتباع العملي ، ولعله لذلك لا تضاف إلى الله سبحانه كما يضاف الدين والشريعة ، يقال: دين الله وشريعة الله ، ولا يقال: ملة الله.

بل إنما تضاف إلى النبي مثلا من حيث إنها سيرته وسنته أو إلى الأمة من جهة أنهم سائرون مستنون به ، قال تعالى:"ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين": البقرة: 153 وقال تعالى حكاية عن يوسف (عليه السلام) :"إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة ءابائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب": يوسف: 38 وقال تعالى حكاية عن الكفار في قولهم لأنبيائهم:"لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا": إبراهيم: 13.

فقد تلخص أن الدين في عرف القرآن أعم من الشريعة والملة وهما كالمترادفين مع فرق ما من حيث العناية اللفظية.

قوله تعالى:"و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما ءاتاكم"بيان لسبب اختلاف الشرائع ، وليس المراد بجعلهم أمة واحدة الجعل التكويني بمعنى النوعية الواحدة فإن الناس أفراد نوع واحد يعيشون على نسق واحد كما يدل عليه قوله تعالى:"و لو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون": الزخرف: 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت