بل المراد أخذهم بحسب الاعتبار أمة واحدة على مستوى واحد من الاستعداد والتهيؤ حتى تشرع لهم شريعة واحدة لتقارب درجاتهم الملحوظة فقوله:"و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة"من قبيل وضع علة الشرط موضع الشرط ليتضح باستحضارها معنى الجزاء أعني قوله:"و لكن ليبلوكم فيما ءاتاكم"أي ليمتحنكم فيما أعطاكم وأنعم عليكم ، ولا محالة هذه العطايا المشار إليها في الآية مختلفة في الأمم ، وليست هي الاختلافات بحسب المساكن والألسنة والألوان فإن الله لم يشرع شريعتين أو أكثر في زمان واحد قط بل هي الاختلافات بحسب مرور الزمان ، وارتقاء الإنسان في مدارج الاستعداد والتهيؤ وليست التكاليف الإلهية والأحكام المشرعة إلا امتحانا إلهيا للإنسان في مختلف مواقف الحياة وإن شئت فقل: إخراجا له من القوة إلى الفعل في جانبي السعادة والشقاوة ، وإن شئت فقل: تمييزا لحزب الرحمن وعباده من حزب الشيطان فقد اختلف التعبير عنه في الكتاب العزيز ، ومآل الجميع إلى معنى واحد ، قال تعالى جريا على مسلك الامتحان:"و تلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين": آل عمران: 124 إلى غير ذلك من الآيات.
وقال جريا على المسلك الثاني:"فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى": طه: 142.
وقال جريا على المسلك الثالث:"و إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا - إلى أن قال - قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين": الحجر: 43 إلى غير ذلك من الآيات.
وبالجملة لما كانت العطايا الإلهية لنوع الإنسان من الاستعداد والتهيؤ مختلفة باختلاف الأزمان ، وكانت الشريعة والسنة الإلهية الواجب إجراؤها بينهم لتتميم سعادة حياتهم وهي الامتحانات الإلهية تختلف لا محالة باختلاف مراتب الاستعدادات وتنوعها أنتج ذلك لزوم اختلاف الشرائع ، ولذلك علل تعالى ما ذكره من اختلاف الشرعة والمنهاج بأن إرادته تعلقت ببلائكم وامتحانكم فيما أنعم عليكم فقال:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما ءاتاكم".
فمعنى الآية - والله أعلم -: لكل أمة جعلنا منكم جعلا تشريعيا شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لأخذكم أمة واحدة وشرع لكم شريعة واحدة ، ولكن جعل لكم شرائع مختلفة ليمتحنكم فيما ءاتاكم من النعم المختلفة ، واختلاف النعم كان يستدعي اختلاف الامتحان الذي هو عنوان التكاليف والأحكام المجعولة فلا محالة ألقي الاختلاف بين الشرائع.
وهذه الأمم المختلفة هي أمم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم كما يدل عليه ما يمتن الله به على هذه الأمة بقوله:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى: الشورى: 13."
قوله تعالى:"فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا"إلخ الاستباق أخذ السبق ، والمرجع مصدر ميمي من الرجوع ، والكلام متفرع على قوله:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا"بما له من لازم المعنى أي وجعلنا هذه الشريعة الحقة المهيمنة على سائر الشرائع شريعة لكم ، وفيه خيركم وصلاحكم لا محالة فاستبقوا الخيرات وهي الأحكام والتكاليف ، ولا تشتغلوا بأمر هذه الاختلافات التي بينكم وبين غيركم فإن مرجعكم جميعا إلى ربكم تعالى فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ويحكم بينكم حكما فصلا ، ويقضي قضاء عدلا.