فهرس الكتاب

الصفحة 1095 من 4314

قوله تعالى:"و أن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع"، هذا الصدر يتحد مع ما في الآية السابقة من قوله:"فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم"، ثم يختلفان فيما فرع على كل منهما ، ويعلم منه أن التكرار لحيازة هذه الفائدة فالآية الأولى تأمر بالحكم بما أنزل الله وتحذر اتباع أهواء الناس لأن هذا الذي أنزله الله هي الشريعة المجعولة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأمته فالواجب عليهم أن يستبقوا هذه الخيرات ، والآية الثانية تأمر بالحكم بما أنزل الله ، وتحذر اتباع أهواء الناس وتبين أن توليهم إن تولوا عما أنزل الله كاشف عن إضلال إلهي لهم لفسقهم وقد قال الله تعالى:"يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26.

فيتحصل مما تقدم أن هذه الآية بمنزلة البيان لبعض ما تتضمنه الآية السابقة من المعاني المفتقرة إلى البيان ، وهو أن إعراض أرباب الأهواء عن اتباع ما أنزل الله بالحق إنما هو لكونهم فاسقين ، وقد أراد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم الموجبة لفسقهم ، والإصابة هو الإضلال ظاهرا ، فقوله:"و أن احكم بينهم بما أنزل الله"عطف على الكتاب في قوله:"و أنزلنا إليك الكتاب"كما قيل ، والأنسب حينئذ أن يكون اللام فيه مشعرة بالتلميح إلى المعنى الحدثي ، ويصير المعنى: وأنزلنا إليك ما كتب عليهم من الأحكام وأن احكم بينهم بما أنزل الله إلخ.

وقوله:"و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك"أمره تعالى نبيه بالحذر عن فتنتهم مع كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوما بعصمة الله إنما هو من جهة أن قوة العصمة لا توجب بطلان الاختيار وسقوط التكاليف المبنية عليه فإنها من سنخ الملكات العلمية ، والعلوم والإدراكات لا تخرج القوى العاملة والمحركة في الأعضاء والأعضاء الحاملة لها عن استواء نسبة الفعل والترك إليها.

كما أن العلم الجازم بكون الغذاء مسموما يعصم الإنسان عن تناوله وأكله ، لكن الأعضاء المستخدمة للتغذي كاليد والفم واللسان والأسنان من شأنها أن تعمل عملها في هذا الأكل وتتغذى به ، ومن شأنها أن تسكن فلا تعمل شيئا مع إمكان العمل لها فالفعل اختياري وإن كان كالمستحيل صدوره ما دام هذا العلم.

وقد تقدم شطر من الكلام في ذلك في الكلام على قوله تعالى:"و ما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما": النساء: 131.

وقوله:"فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم"بيان لأمر إضلالهم إثر فسقهم كما تقدم ، وفيه رجوع إلى بدء الكلام في هذه الآيات:"يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر"إلخ ففيه تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتطييب لنفسه ، وتعليم له ما لا يدب معه الحزن في قلبه ، وهكذا فعل الله سبحانه في جل الموارد التي نهى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أن يحزن على توليهم عن الدعوة الحقة واستنكافهم عن قبول ما يرشدهم إلى سبيل الرشاد والفلاح فبين له (صلى الله عليه وآله وسلم) أنهم ليسوا بمعجزين لله في ملكه ولا غالبين عليه بل الله غالب على أمره ، وهو الذي يضلهم بسبب فسقهم ، ويزيغ قلوبهم عن زيغ منهم ، ويجعل الرجس عليهم بسلب توفيقه عنهم واستدراجه إياهم ، قال تعالى:"و لا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون": الأنفال: 59 وإذا كان الأمر إلى الله سبحانه ، وهو الذي يذب عن ساحة دينه الطاهرة كل رجس نجس فلم يفته شيء مما أراده ولا وجه للحزن إذا لم يكن فائت.

ولعله إلى ذلك الإشارة بقوله:"فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله"إلخ دون أن يقال: فإن تولوا فإنما يريد الله إلخ أو ما يؤدي معناه فيئول المعنى إلى تعليم أن توليهم أنما هو بتسخير إلهي فلا ينبغي أن يحزن ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه رسول داع إلى سبيل ربه إن أحزنه شيء فإنما ينبغي أن يحزنه لغلبته إرادة الله في أمر الدعوة الدينية ، وإذا كان الله سبحانه لا يعجزه شيء بل هو الذي يسوقهم إلى هنا وهناك بتسخير إلهي وتوفيق ومكر فلا موجب للحزن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت