فهرس الكتاب

الصفحة 1096 من 4314

و قد بين تعالى هذه الحقيقة بلسان آخر في قوله:"و لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا": الكهف: 8 فبين أن الله تعالى لم يرد بإرسال الرسل والإنذار والتبشير الديني إيمان الناس جميعا على حد ما يريده الإنسان في حوائجه ومآربه ، وإنما ذلك كله امتحان وابتلاء يبتلى به الناس ليمتاز به من هو أحسن عملا ، وإلا فالدنيا وما فيها ستبطل وتفنى فلا يبقى إلا الصعيد العاري من هؤلاء الكفار المعرضين عن الحديث الحق ، ومن كل ما يتعلق به قلوبهم فلا موجب للأسف إذ لا يجر ذلك خيبة إلى سعينا ولا بطلانا لقدرتنا وكلالا لإرادتنا.

وقوله:"و إن كثيرا من الناس لفاسقون"في محل التعليل لقوله:"إنما يريد الله أن يصيبهم"إلخ على ما تقدم بيانه.

قوله تعالى:"أ فحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون"تفريع بنحو الاستفهام على ما بين في الآية السابقة من توليهم مع كون ما يتولون عنه هو حكم الله النازل إليهم والحق الذي علموا أنه حق ، ويمكن أن يكون في مقام النتيجة اللازمة لما بين في جميع الآيات السابقة.

والمعنى: وإذا كانت هذه الأحكام والشرائع حقة نازلة من عند الله ولم يكن وراءها حكم حق لا يكون دونها إلا حكم الجاهلية الناشئة عن اتباع الهوى فهؤلاء الذين يتولون عن الحكم الحق ما ذا يريدون بتوليهم وليس هناك إلا حكم الجاهلية؟ أ فحكم الجاهلية يبغون والحال أنه ليس أحد أحسن حكما من الله لهؤلاء المدعين للإيمان؟.

فقوله:"أ فحكم الجاهلية يبغون"استفهام توبيخي ، وقوله:"و من أحسن من الله حكما"استفهام إنكاري أي لا أحد أحسن حكما من الله ، وإنما يتبع الحكم لحسنه ، وقوله:"لقوم يوقنون"في أخذ وصف اليقين تعريض لهم بأنهم إن صدقوا في دعواهم الإيمان بالله فهم يوقنون بآياته ، والذين يوقنون بآيات الله ينكرون أن يكون أحد أحسن حكما من الله سبحانه.

واعلم أن في الآيات موارد من الالتفات من التكلم وحده أو مع الغير إلى الغيبة وبالعكس كقوله:"إن الله يحب المقسطين"ثم قوله:"إنا أنزلنا التوراة"ثم قوله:"بما استحفظوا من كتاب الله"ثم قوله:"و اخشون"وهكذا ، فما كان منها يختار فيه الغيبة بلفظ الجلالة فإنما يراد به تعظيم الأمر بتعظيم صاحبه.

وما كان منها بلفظ المتكلم وحده فيراد به أن الأمر إلى الله وحده لا يداخله ولي ولا يشفع فيه شفيع ، فإذا كان ترغيبا أو وعدا فإنما القائم به هو الله سبحانه ، وهو أكرم من يفي بوعده ، وإذا كان تحذيرا أو إيعادا فهو أشد وأشق ولا يصرف عن الإنسان بشفيع ولا ولي إذ الأمر إلى الله نفسه وقد نفي كل واسطة ورفع كل سبب متخلل فافهم ذلك ، وقد مر بعض الكلام فيه في بعض المباحث السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت