فهرس الكتاب

الصفحة 1109 من 4314

فهذا - لعله - هو الذي أسروه في أنفسهم ، وسارعوا لأجله فيهم ، وسوف يندمون على بطلان سعيهم إذا فتح الله للحق.

قوله تعالى:"و يقول الذين ءامنوا"إلى آخر الآية وقرىء"يقول"بالنصب عطفا على قوله:"يصبحوا"وهي أرجح لكونها أوفق بالسياق فإن ندامتهم على ما أسروه في أنفسهم وقول المؤمنين:"أ هؤلاء"إلخ جميعا تقريع لهم بعاقبة توليهم ومسارعتهم في اليهود والنصارى ، وقوله:"هؤلاء"إشارة إلى اليهود والنصارى ، وقوله:"معكم"خطاب للذين في قلوبهم مرض ويمكن العكس ، وكذا الضمير في قوله:"حبطت أعمالهم فأصبحوا"، يمكن رجوعه إلى اليهود والنصارى ، وإلى الذين في قلوبهم مرض.

لكن الظاهر من السياق أن الخطاب للذين في قلوبهم مرض ، والإشارة إلى اليهود والنصارى ، وقوله:"حبطت أعمالهم"، كالجواب لسؤال مقدر ، والمعنى: وعسى أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده فيقول الذين آمنوا لهؤلاء الضعفاء الإيمان عند حلول السخط الإلهي بهم: أ هؤلاء اليهود والنصارى هم الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أي أيمانهم التي بالغوا وجهدوا فيها جهدا إنهم لمعكم فلما ذا لا ينفعونكم؟! ثم كأنه سئل فقيل: فإلى م انتهى أمر هؤلاء الموالين؟ فقيل في جوابه: حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين.

كلام في معنى مرض القلب

وفي قوله تعالى:"في قلوبهم مرض"دلالة على أن للقلوب مرضا فلها لا محالة صحة إذ الصحة والمرض متقابلان لا يتحقق أحدهما في محل إلا بعد إمكان تلبسه بالآخر كالبصر والعمى أ لا ترى أن الجدار مثلا لا يتصف بأنه مريض لعدم جواز اتصافه بالصحة والسلامة.

وجميع الموارد التي أثبت الله سبحانه فيها للقلوب مرضا في كلامه يذكر فيها من أحوال تلك القلوب وآثارها أمورا تدل على خروجها من استقامة الفطرة ، وانحرافها عن مستوى الطريقة كقوله تعالى:"و إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا": الأحزاب: 12 وقوله تعالى:"إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم": الأنفال: 49 وقوله تعالى:"ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم": الحج: 53 إلى غير ذلك.

وجملة الأمر أن مرض القلب تلبسه بنوع من الارتياب والشك يكدر أمر الإيمان بالله والطمأنينة إلى آياته ، وهو اختلاط من الإيمان بالشرك ، ولذلك يرد على مثل هذا القلب من الأحوال ، ويصدر عن صاحب هذا القلب في مرحلة الأعمال والأفعال ما يناسب الكفر بالله وبآياته.

وبالمقابلة تكون سلامة القلب وصحته هي استقراره في استقامة الفطرة ولزومه مستوى الطريقة ، ويئول إلى خلوصه في توحيد الله سبحانه وركونه إليه عن كل شيء يتعلق به هوى الإنسان ، قال تعالى:"يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم": الشعراء: 89.

ومن هنا يظهر أن الذين في قلوبهم مرض غير المنافقين كما لا يخلو تعبير القرآن عنهما بمثل قوله:"المنافقون والذين في قلوبهم مرض"في غالب الموارد عن إشعار ما بذلك ، وذلك أن المنافقين هم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، والكفر الخاص موت للقلب لا مرض فيه قال تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": الأنعام: 122 وقال:"إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله": الأنعام: 36.

فالظاهر أن مرض القلب في عرف القرآن هو الشك والريب المستولي على إدراك الإنسان فيما يتعلق بالله وآياته ، وعدم تمكن القلب من العقد على عقيدة دينية.

فالذين في قلوبهم مرض بحسب طبع المعنى هم ضعفاء الإيمان ، الذين يصغون إلى كل ناعق ، ويميلون مع كل ريح ، دون المنافقين الذين أظهروا الإيمان واستبطنوا الكفر رعاية لمصالحهم الدنيوية ليستدروا المؤمنين بظاهر إيمانهم والكفار بباطن كفرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت