نعم ربما أطلق عليهم المنافقون في القرآن تحليلا لكونهم يشاركونهم في عدم اشتمال باطنهم على لطيفة الإيمان ، وهذا غير إطلاق الذين في قلوبهم مرض على من هو كافر لم يؤمن إلا ظاهرا قال تعالى:"بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أ يبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم ءايات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره أنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا": النساء: 104.
وأما قوله تعالى في سورة البقرة:"و من الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين - إلى أن قال -: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا - إلى أن قال - وإذا قيل لهم ءامنوا كما ءامن الناس قالوا أ نؤمن كما ءامن السفهاء"الآيات: البقرة: 7 - 20 فإنما هو بيان لسلوك قلوبهم من الشك في الحق إلى إنكاره ، وأنهم كانوا في بادىء حالهم مرضى بسبب كذبهم في الإخبار عن إيمانهم وكانوا مرتابين لم يؤمنوا بعد ، فزادهم الله مرضا حتى هلكوا بإنكارهم الحق واستهزائهم له.
وقد ذكر الله سبحانه أن مرض القلب على حد الأمراض الجسمانية ربما أخذ في الزيادة حتى أزمن وانجر الأمر إلى الهلاك وذلك بإمداده بما يضر طبع المريض في مرضه ، وليس إلا المعصية قال تعالى:"في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا": البقرة: 10 وقال تعالى"و إذا ما أنزلت سورة - إلى أن قال -: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون أ ولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون": التوبة: 162 وقال تعالى - وهو بيان عام -:"ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون": الروم: 10.
ثم ذكر تعالى في علاجه الإيمان به قال تعالى - وهو بيان عام -:"يهديهم ربهم بإيمانهم": يونس: 9 وقال تعالى:"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": فاطر: 10 فعلى مريض القلب - إن أراد مداواة مرضه - أن يتوب إلى الله ، وهو الإيمان به وأن يتذكر بصالح الفكر وصالح العمل كما يشير إليه الآية السابقة الذكر:"ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون": التوبة: 162.
وقال سبحانه وهو قول جامع في هذا الباب:"يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أ تريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما": النساء: 164 وقد تقدم أن المراد بذلك الرجوع إلى الله بالإيمان والاستقامة عليه والأخذ بالكتاب والسنة ثم الإخلاص.
قوله تعالى:"يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه"ارتد عن دينه رجع عنه ، وهو في اصطلاح أهل الدين الرجوع من الإيمان إلى الكفر سواء كان إيمانه مسبوقا بكفر آخر كالكافر يؤمن ثم يرتد أو لم يكن ، وهما المسميان بالارتداد الملي والفطري حقيقة شرعية أو متشرعية.
ربما يسبق إلى الذهن أن المراد بالارتداد في الآية هو ما اصطلح عليه أهل الدين ، ويكون الآية على هذا غير متصلة بما قبلها ، وإنما هي آية مستقلة تحكي عن نحو استغناء من الله سبحانه عن إيمان طائفة من المؤمنين بإيمان آخرين.
لكن التدبر في الآية وما تقدم عليها من الآيات يدفع هذا الاحتمال فإن الآية على هذا تذكر المؤمنين بقدرة الله سبحانه على أن يعبد في أرضه ، وأنه سوف يأتي بأقوام لا يرتدون عن دينه بل يلازمونه كقوله تعالى:"فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين": الأنعام: 89 أو كقوله تعالى:"و من كفر فإن الله غني عن العالمين": آل عمران: 97 وقوله تعالى:"إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد": إبراهيم: 8.
والمقام الذي هذه صفته لا يقتضي أزيد من التعرض لأصل الغرض ، وهو الإخبار بالإتيان بقوم مؤمنين لا يرتدون عن دين الله ، وأما أنهم يحبون الله ويحبهم ، وأنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين إلى آخر ما ذكر في الآية من الأوصاف فهي أمور زائدة يحتاج التعرض لها إلى اقتضاء زائد من المقام والحال.