فهرس الكتاب

الصفحة 1117 من 4314

هذا محصل كلامه ، وليس إلا أنه عامل كلامه تعالى فيما ذكره من الثناء على القوم ومدحهم معاملة الشعر الذي يبني المدح على التخيل ، فما قدر عليه خيال الشاعر حمله على ممدوحه من غير أن يعتني بأمر الصدق والكذب ، وقد قال تعالى:"و من أصدق من الله قيلا": النساء: 122 أو على المتعارف من الكلام الدائر بيننا الذي لا يعتمد في إلقائه إلا على الأفهام البانية على التسامح والتساهل في التلقي والإلقاء ، والاعتذار بالمسامحة في كل ما أشكل عليها في شيء وقد قال تعالى:"إنه لقول فصل وما هو بالهزل": الطارق: 14 وقد عرفت فيما تقدم أن الآية لو أعطيت حق معناها فيما تتضمنه من الصفات تبين أن مصداقها لم يتحقق بعد إلى هذا الحين فراجع وتأمل ثم اقض ما أنت قاض.

ومن العجيب ما ذكره في آخر كلامه فإن من ذكر نزول الآية في علي (عليه السلام) إنما ذكر عليا وأصحابه كما ذكر آخرون: سلمان وذويه ، وآخرون: أبا موسى وقومه ، وآخرون: أبا بكر وأصحابه ، وكذا ما ورد من الروايات - وقد تقدم بعضها - إنما ورد في علي وأصحابه ، ولم يذكر نزول الآية في علي (عليه السلام) وحده حتى يرد بأن لفظ الآية نص في الجماعة لا ينطبق على المفرد.

نعم ورد في تفسير الثعلبي أنها نزلت في علي وأيضا في نهج البيان للشيباني عن الباقر والصادق (عليهما السلام) أنها نزلت في علي (عليه السلام) ، والمراد به بقرينة الروايات الآخر نزوله فيه وفي أصحابه من جهة قيامهم بنصرة الدين في غزوة الجمل وصفين والخوارج.

مع أنه سيأتي أن الروايات من طرق الجمهور متكاثرة في نزول آية:"إنما وليكم الله ورسوله"في علي (عليه السلام) ولفظ الآية جمع.

على أن في الرواية - رواية قتادة والضحاك والحسن - إشكالا آخر وهو أن قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"إلخ ظاهر ظهورا لا مرية فيه في معنى التبديل والاستغناء سواء كان الخطاب للموجودين في يوم النزول أو لمجموع الموجودين والمعدومين ، والمقصود خطاب الجماعة من المؤمنين بأنهم كلهم أو بعضهم إن ارتدوا عن دينهم فسوف يبدلهم الله من قوم يحبهم ويحبونه - وهو لا يحب المرتدين ولا يحبونه - ولهم كذا وكذا من الصفات ينصرون دينه.

وهذا صريح في أن القوم المأتي بهم جماعة من المؤمنين غير الجماعة الموجودين في أوان النزول ، والمقاتلون أهل الردة بعيد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا موجودين حين النزول مخاطبين بقوله:"يا أيها الذين آمنوا"إلخ فهم غير مقصودين بقوله:"فسوف يأتي الله بقوم"إلخ.

والآية جارية مجرى قوله تعالى:"و إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم": محمد: 38.

وفي تفسير النعماني ، بإسناده عن سليمان بن هارون العجلي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن صاحب هذا الأمر محفوظ له ، لو ذهب الناس جميعا أتى الله بأصحابه ، وهم الذين قال الله عز وجل:"فإن يكفر بها هؤلاء - فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين"وهم الذين قال الله:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه - أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين"أقول: وروى هذا المعنى العياشي والقمي في تفسيريهما.

كلام وبحث مختلط من القرآن والحديث

مما تقدم في الأبحاث السابقة مرارا التلويح إلى أن الخطابات القرآنية التي يهتم القرآن بأمرها ، ويبالغ في تأكيدها وتشديد القول فيها لا يخلو لحن القول فيها من دلالة على أن العوامل والأسباب الموجودة متعاضدة على أن تسوقهم إلى مهابط السقوط ودركات الردى ، والابتلاء بسخط الله كما في آيات الربا وآية مودة القربى وغيرهما.

ومن طبع الخطاب ذلك فإن المتكلم الحكيم إذا أمر بأمر حقير يسير ثم بالغ في تأكيده والإلحاح عليه بما ليس شأنه ذلك ، أو خاطب أحدا بخطاب ليس من شأن ذلك المخاطب أن يوجه إلى مثله ذلك الخطاب كنهي عالم رباني ذي قدم صدق في الزهد والعبادة عن ارتكاب أفضح الفجور على رءوس الأشهاد دل ذلك على أن المورد لا يخلو عن شيء وأن هناك خطبا جليلا ومهلكة خطيرة مشرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت