و الخطابات القرآنية التي هذا شأنها تعقبت حوادث صدقتها في ما كانت تلوح إليه بل تدل عليه ، وإن كان السامعون لعلهم ما كانوا يتنبهون في أول ما سمعوها يوم النزول على ما تتضمنه من الإشارات والدلالات.
فقد أمر القرآن بمودة قربى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالغ فيها حتى عدها أجر الرسالة والسبيل إلى الله سبحانه ثم وقع أن استباحت الأمة في أهل بيته من فجائع المظالم ما لو أمروا به لم يكونوا ليزيدوا على ما أتوا به فيهم.
ونهى القرآن عن الاختلاف وبالغ فيه بما لا مزيد عليه ثم وقع إن تفرقت الأمة تفرقا وانشعبت انشعابات زادت على ما عند اليهود والنصارى ، وكانت اليهود إحدى وسبعين فرقة ، والنصارى اثنتين وسبعين فرقة فأتى المسلمون بثلاث وسبعين فرقة هذا في مذاهبهم في معارف الدين العلمية ، وأما مذاهبهم في السنن الاجتماعية وتأسيس الحكومات وغيرها فلا تقف على حد حاصر.
ونهى القرآن عن الحكم بغير ما أنزل الله ، ونهى عن إلقاء الاختلاف بين الطبقات ونهى عن الطغيان واتباع الهوى إلى غير ذلك وشدد فيها ثم وقع ما وقع.
والأمر في النهي عن ولاية الكفار وأهل الكتاب نظير غيره من النواهي المؤكدة الواردة في القرآن الكريم بل ليس من البعيد أن يدعى أن التشديد الواقع في النهي عن ولاية الكفار وأهل الكتاب لا يعدله أي تشديد واقع في سائر النواهي الفرعية.
فقد بلغ الأمر فيه إلى أن عد الله سبحانه الموالين لأهل الكتاب والكفار منهم:"و من يتولهم منكم فإنه منهم"ونفاهم من نفسه إذ قال:"و من يفعل ذلك فليس من الله في شيء: آل عمران: 28 وحذرهم منتهى التحذير فقال مرة بعد أخرى:"و يحذركم الله نفسه": آل عمران: 28 - 30 وقد مر في الكلام على الآية أن مدلولها وقوع المحذور لا محالة قضاء حتما لا مبدل له ولا محول."
وإن شئت مزيد وضوح لذلك فتدبر في قوله تعالى:"و إن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم - وقد ذكر قبل الآية قصص أمم نوح وهود وصالح وغيرهم ثم اختلاف اليهود في كتابهم - إنه بما تعملون خبير فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا - والخطاب كما ترى خطاب اجتماعي - إنه بما تعملون بصير": هود: 121 ثم تدبر في قوله تعالى بعده:"و لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون": هود: 131.
وقد بين الله سبحانه معنى مسيس هذه النار في الدنيا قبل الآخرة - والآية مطلقة - وهو الذي توعد به في قوله:"و يحذركم الله نفسه"بقوله تعالى:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون": المائدة: 3 فبين فيه أن الذي كان يخشاه المؤمنون على دينهم من الذين كفروا وهم المشركون وأهل الكتاب - كما تبين سابقا - إلى يوم نزول الآية فهم اليوم في أمن منه فلا ينبغي لهم أن يخشوهم فيه بل يجب عليهم أن يخشوا فيه ربهم ، والذي كانوا يخشونهم فيه على دينهم هو أن الكفار لم يكن لهم هم فيهم إلا إطفاء نور الدين ، وسلب هذه السلعة النفيسة من أيديهم بأي وسيلة قدروا عليها.
فهذا هو الذي كانوا يخشونه قبل اليوم ، وبنزول سورة المائدة أمنوا ذلك واطمأنت أنفسهم غير أنه يجب عليهم أن يخشوا في ذلك ربهم أن لا يذهب بنورهم ولا يسلبهم دينه.
ومن المعلوم أن الله سبحانه لا يفاجىء قوما بنقمة أو عذاب من غير أن يستحقوه قال تعالى:"ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": الأنفال: 53 فبين أن تغييره النعمة لا يكون إلا عن استحقاق ، وأنه يتبع تغيير الناس ما بأنفسهم ، وقد سمى الدين أو الولاية الدينية كما تقدم نعمة حيث قال بعده:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا": المائدة: 3.
فتغيير هذه النعمة من قبلهم ، والتخطي عن ولاية الله بقطع الرابطة منه ، والركون إلى الظالمين ، وولاية الكفار وأهل الكتاب هو المتوقع منهم ، والواجب عليهم أن يخشوه على أنفسهم فيخشوا الله في سخط لا راد له ، وقد أوعدهم فيه بقوله:"و من يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين": المائدة: 51 فأخبر أنه لا يهديهم إلى سعادتهم فهي التي تتعلق بها الهداية ، وسعادتهم في الدنيا إنما هي أن يعيشوا على سنة الدين والسيرة العامة الإسلامية في مجتمعهم.