فهرس الكتاب

الصفحة 1140 من 4314

قوله تعالى:"قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله"إلى آخر الآية ذكروا أن هذا أمر منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطب أولئك المستهزءين اللاعبين بالدين على طريق التسليم أخذا بالنصفة في التكليم ليلزمهم أنهم إن نقموا من المؤمنين إيمانهم بالله وما أنزله على رسله فعليهم أن ينقموا أنفسهم لأنهم شر مكانا وأضل عن سواء السبيل لابتلائهم باللعن الإلهي والمسخ بالقردة والخنازير وعبادة الطاغوت فإذا لم ينقموا أنفسهم على ما فيهم من أسباب النقمة فليس لهم أن ينقموا من لم يبتل إلا بما هو دونه في الشر ، وهم المؤمنون في إيمانهم على تقدير تسليم أن يكون إيمانهم بالله وكتبه شرا ، ولن يكون شرا.

فالمراد بالمثوبة مطلق الجزاء ، ولعلها استعيرت للعاقبة والصفة اللازمة كما يستفاد من تقييد قوله:"بشر من ذلك مثوبة"بقوله:"عند الله"فإن الذي عند الله هو أمر ثابت غير متغير وقد حكم به الله وأمر به ، قال تعالى:"و ما عند الله باق":"النحل: 96"، وقال تعالى:"لا معقب لحكمه":"الرعد: 41"، فهذه المثوبة مثوبة لازمة لكونها عند الله سبحانه.

وفي الكلام شبه قلب ، فإن مقتضى استواء الكلام أن يقال: إن اللعن والمسخ وعبادة الطاغوت شر من الإيمان بالله وكتبه وأشد ضلالا ، دون أن يقال: إن من لعنه الله وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت شر مكانا وأضل إلا بوضع الموصوف مكان الوصف ، وهو شائع في القرآن الكريم كقوله تعالى:"و لكن البر من آمن بالله"الآية.

وبالجملة فمحصل المعنى أن إيماننا بالله وما أنزله على رسله إن كان شرا عندكم فأنا أخبركم بشر من ذلك يجب عليكم أن تنقموه وهو النعت الذي فيكم.

وربما قيل: إن الإشارة بقوله:"ذلك"إلى جمع المؤمنين المدلول عليه بقوله:"هل تنقمون منا"وعلى هذا فالكلام على استوائه من غير قلب ، والمعنى هل أنبئكم بمن هو شر من المؤمنين لتنقموهم؟ وهم أنتم أنفسكم ، وقد ابتليتم باللعن والمسخ وعبادة الطاغوت.

وربما قيل: إن قوله:"من ذلك"إشارة إلى المصدر المدلول عليه بقوله"هل تنقمون منا"أي هل أنبئكم بشر من نقمتكم هذه مثوبة وجزاء؟ هو ما ابتليتم به من اللعن والمسخ وغير ذلك.

قوله تعالى:"و إذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به"إلى آخر الآية يشير تعالى إلى نفاق قلوبهم وإضمارهم ما لا يرتضيه الله سبحانه في لقائهم المؤمنين فقال: وإذا جاءوكم قالوا آمنا أي أظهروا الإيمان والحال أنهم قد دخلوا عليكم مع الكفر وقد خرجوا من عندكم بالكفر أي هم على حالة واحدة عند الدخول والخروج وهو الكفر لم يتغير عنه وإنما يظهرون الإيمان إظهارا ، والحال أن الله يعلم ما كانوا يكتمونه سابقا من الغدر والمكر.

فقوله:"و قد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به"في معنى قولنا: لم يتغير حالهم في الكفر ، والضمير في قوله:"هم قد خرجوا"جيء به للتأكيد ، وإفادة تمييزهم في الأمر وتثبيت الكفر فيهم.

وربما قيل: إن المعنى أنهم متحولون في أحوال الكفر المختلفة.

قوله تعالى:"و ترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت"إلى آخر الآية ، الظاهر أن المراد بالإثم هو الخوض في آيات الدين النازلة على المؤمنين والقول في معارف الدين بما يوجب الكفر والفسوق على ما يشهد به ما في الآية التالية من قوله:"عن قولهم الإثم وأكلهم السحت".

وعلى هذا فالأمور الثلاثة أعني الإثم والعدوان وأكل السحت تستوعب نماذج من فسوقهم في القول والفعل ، فهم يقترفون الذنب في القول وهو الإثم القولي ، والذنب في الفعل وهو إما فيما بينهم وبين المؤمنين وهو التعدي عليهم ، وإما عند أنفسهم كأكلهم السحت ، وهو الربا والرشوة ونحو ذلك ثم ذم ذلك منهم بقوله:"لبئس ما كانوا يعملون"ثم أتبعه بتوبيخ الربانيين والأحبار في سكوتهم عنهم وعدم نهيهم عن ارتكاب هذه الموبقات من الآثام والمعاصي وهم عالمون بأنها معاص وذنوب فقال: لو لا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت