فهرس الكتاب

الصفحة 1141 من 4314

و ربما أمكن أن يستفاد من قوله:"عن قولهم الإثم وأكلهم السحت"عند تطبيقه على ما في الآية السابقة:"يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت"حيث ترك العدوان في الآية الثانية أن الإثم والعدوان شيء واحد ، وهو تعدي حدود الله سبحانه قولا تجاه المعصية الفعلية التي أنموذجها أكلهم السحت.

فيكون المراد بقوله:"يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت"إراءة سيئة قولية منهم وهي الإثم والعدوان ، وسيئة أخرى فعلية منهم وهي أكلهم السحت.

والمسارعة مبالغة في معنى السرعة وهي ضد البطء ، والفرق بين السرعة والعجلة على ما يستفاد من موارد استعمال الكلمتين أن السرعة أمس بعمل الأعضاء والعجلة بعمل القلب ، نظير الفرق بين الخضوع والخشوع ، والخوف والخشية ، قال الراغب في المفردات: السرعة ضد البطء ، ويستعمل في الأجسام والأفعال ، يقال: سرع بضم الراء فهو سريع وأسرع فهو مسرع ، وأسرعوا صارت إبلهم سراعا نحو أبلدوا ، وسارعوا وتسارعوا ، انتهى.

وربما قيل: إن المسارعة والعجلة بمعنى واحد غير أن المسارعة أكثر ما يستعمل في الخير ، وأن استعمال المسارعة في المقام - وإن كان مقام الذم وكانت العجلة أدل على الذم منها - إنما هو للإشارة إلى أنهم يستعملونها كأنهم محقون فيها ، انتهى ولا يخلو عن بعد.

قوله تعالى:"و قالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"كانت اليهود لا ترى جواز النسخ في الأحكام الدينية ، ولذا كانت لا تقبل بنسخ التوراة وتعير المسلمين بنسخ الأحكام ، وكذا كانت لا ترى جواز البداء في القضايا التكوينية على ما يتراءى من خلال الآيات القرآنية كما تقدم الكلام فيه في تفسير قوله تعالى:"ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها": الآية"البقرة: 160 ، في الجزء الأول من هذا الكتاب وفي موارد أخر."

والآية أعني قوله تعالى:"و قالت اليهود يد الله مغلولة"تقبل الانطباق على قولهم هذا غير أن ظاهر قوله تعالى جوابا عنهم:"بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"يأبى عن ذلك ، ويدل على أنهم إنما تكلموا بهذه الكلمة الأثيمة في شيء من أمر الرزق أما في خصوص المؤمنين لما في عامتهم من الفقر الشامل والعسرة وضيق المعيشة ، وأنهم إنما قالوا هذا القول استهزاء بالله سبحانه إيماء إلى أنه لا يقدر على إغناء عباده المؤمنين به وإنجائهم من الفقر والمذلة ، لكن هذا الوجه لا يناسب وقوع الآية في سورة المائدة إن كانت نازلة في مطاوي سائر آياتها فإن المسلمين كانوا يوم نزولها على خصب من العيش وسعة من الرزق ورفاهية من الحال.

وإما أنهم إنما قالوها لجدب أو غلاء أصابهم فضاقت بذلك معيشتهم ، ونكدت حالهم ، واختل نظام حياتهم ، كما ربما يظهر من بعض ما ورد في أسباب النزول ، وهذا الوجه أيضا يأباه سياق الآيات فإن الظاهر أن الآيات إنما تتعرض لشتات أوصافهم فيما يعود إلى عدوانهم ومكرهم بالنسبة إلى المسلمين نقمة منهم لا ما صدر منهم من إثم القول عند أنفسهم.

وإما أنهم إنما تفوهوا بذلك لما سمعوا أمثال قوله تعالى:"من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا":"البقرة: 254"، وقوله تعالى:"و أقرضوا الله قرضا حسنا":"المزمل - 20"، فقالوا: يد الله مغلولة لا يقدر على تحصيل ما ينفق في حوائجه لترويج دينه وإحياء دعوته.

وقد قالوا ذلك سخرية واستهزاء على ما يظهر من بعض آخر مما ورد في أسباب النزول ، وهذا الوجه أقرب إلى النظر.

وكيف كان فهذه النسبة أعني نسبة غل اليد والمغلوبية عند بعض الحوادث مما لا يأباه تعليمهم الديني والآراء الموجودة في التوراة فالتوراة تجوز أن يكون الأمور معجزا لله سبحانه وصادا مانعا له من إنفاذ بعض ما يريده من مقاصده كالأقوياء من الإنسان ، يشهد بذلك ما تقصه من قصص الأنبياء كآدم وغيره.

فعندهم من وجوه الاعتقاد ما يبيح لهم أن ينسبوا إليه تعالى ما لا يناسب ساحة قدسه وكبرياء ذاته جلت عظمته وإن كانت الكلمة إنما صدرت منهم استهزاء فإن لكل فعل مبادىء في الاعتقاد ينبعث إليه الإنسان منها ويتجرأ بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت