و أما قوله: غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا"فهو دعاء عليهم بعذاب مشابه لما نسبوا إليه تعالى من النقص غير المناسب لساحة قدسه ، وهو مغلولية اليد وانسلاب القدرة على ما يحبه ويشاؤه ، وعلى هذا فقوله:"و لعنوا بما قالوا"عطف تفسير على قوله:"غلت أيديهم"فإن مغلولية أيديهم مصداق لعنة الله عليهم إذ القول من الله سبحانه فعل ، ولعنه تعالى أحدا إنما هو تعذيبه بعذاب إما دنيوي أو أخروي فاللعن هو العذاب المساوي لغل أيديهم أو الأعم منه ومن غيره."
وربما احتمل كون قوله:"غلت أيديهم"إلخ إخبارا عن وقوع كلمة العذاب وهو جزاء اجترائهم على الله سبحانه بقولهم:"يد الله مغلولة"عليهم ، والوجه الأول أقرب من الفهم.
وأما قوله:"بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"فهو جواب عن قولهم:"يد الله مغلولة"مضروب في قالب الإضراب.
والجملة أعني قوله:"يداه مبسوطتان"كناية عن ثبوت القدرة ، وهو شائع في الاستعمال.
وإنما قيل:"يداه"بصيغة التثنية مع كون اليهود إنما أتوا في قولهم:"يد الله مغلولة"بصيغة الإفراد ليدل على كمال القدرة كما ربما يستفاد من نحو قوله تعالى:"قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين":"ص - 75"لما فيه من الإشعار أو الدلالة على إعمال كمال القدرة ، ونحو قولهم:"لا يدين بها لك"فإن ذلك مبالغة في نفي كل قدرة ونعمة.
وربما ذكروا لليد معاني مختلفة في اللغة غير الجارحة كالقدرة والقوة والنعمة والملك وغير ذلك ، لكن الحق أن اللفظة موضوعة في الأصل للجارحة ، وإنما استعملت في غيرها من المعاني على نحو الاستعارة لكونها من الشئون المنتسبة إلى الجارحة نوعا من الانتساب كانتساب الإنفاق والجود إلى اليد من حيث بسطها ، وانتساب الملك إليها من حيث التصرف والوضع والرفع وغير ذلك.
فما يثبته الكتاب والسنة لله سبحانه من اليد يختلف معناه باختلاف الموارد كقوله تعالى:"بل يداه مبسوطتان"الآية ، وقوله:"أن تسجد لما خلقت بيدي":"ص - 75 يراد به القدرة وكمالها ، وقوله:"بيدك الخير":"آل عمران: 26"، وقوله:"فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء":"يس: 83"، وقوله:"تبارك الذي بيده الملك":"الملك: 1"، إلى غير ذلك يراد بها الملك والسلطة ، وقوله:"لا تقدموا بين يدي الله ورسوله":"الحجرات: 1"يراد بها الحضور ونحوه."
وأما قوله:"ينفق كيف يشاء"فهو بيان لقوله:"يداه مبسوطتان".
قوله تعالى:"و ليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا"هذه الجملة وما يتلوها إلى آخر الآية كلام مسرود لتوضيح قوله:"و قالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا"على ما يعطيه السياق.
فأما قوله:"و ليزيدن كثيرا منهم"إلخ ، فيشير إلى أن اجتراءهم على الله العظيم وتفوههم بمثل قولهم:"يد الله مغلولة"ليس من المستبعد منهم فإن القوم متلبسون بالاعتداء والكفر من قديم أيامهم ، وقد أورثهم ذلك البغي والحسد ، ولا يؤمن من هذه سجيته إذا رأى أن الله فضل غيره عليه بما لا يقدر قدره من النعمة أن يزداد طغيانا وكفرا.
واليهود كانت ترى لنفسها السيادة والتقدم على الدنيا ، وكانت تتسمى بأهل الكتاب ، وتتباهى بالربانيين والأحبار ، وتفتخر بالعلم والحكمة ، وتسمي سائر الناس أميين ، فإذا رأت قرآنا نازلا على قوم كانت تتذلل لعلمها وكتابها - كما كانت هي الحرمة المراعاة بينها وبين العرب في الجاهلية - ثم أمعنت فيه فوجدته كتابا إلهيا مهيمنا على ما تقدم عليه من الكتب السماوية ، ومشتملا على الحق الصريح والتعليم العالي والهداية التامة ثم أحست بما يتعقبه من ذلتها واستكانتها في نفس ما كانت تتعزز وتتباهى به وهو العلم والكتاب.
لا جرم تستيقظ من رقدتها ، وتطغى عاديتها ، ويزيد طغيانها وكفرها.
فنسبة زيادة طغيانهم وكفرهم إلى القرآن إنما هي بعناية أن أنفسهم الباغية الحاسدة ثارت بالطغيان والكفر بمشاهدة نزول القرآن وإدراك ما يتضمنه من المعارف الحقة والدعوة الظاهرة.