فهرس الكتاب

الصفحة 1142 من 4314

و أما قوله: غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا"فهو دعاء عليهم بعذاب مشابه لما نسبوا إليه تعالى من النقص غير المناسب لساحة قدسه ، وهو مغلولية اليد وانسلاب القدرة على ما يحبه ويشاؤه ، وعلى هذا فقوله:"و لعنوا بما قالوا"عطف تفسير على قوله:"غلت أيديهم"فإن مغلولية أيديهم مصداق لعنة الله عليهم إذ القول من الله سبحانه فعل ، ولعنه تعالى أحدا إنما هو تعذيبه بعذاب إما دنيوي أو أخروي فاللعن هو العذاب المساوي لغل أيديهم أو الأعم منه ومن غيره."

وربما احتمل كون قوله:"غلت أيديهم"إلخ إخبارا عن وقوع كلمة العذاب وهو جزاء اجترائهم على الله سبحانه بقولهم:"يد الله مغلولة"عليهم ، والوجه الأول أقرب من الفهم.

وأما قوله:"بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"فهو جواب عن قولهم:"يد الله مغلولة"مضروب في قالب الإضراب.

والجملة أعني قوله:"يداه مبسوطتان"كناية عن ثبوت القدرة ، وهو شائع في الاستعمال.

وإنما قيل:"يداه"بصيغة التثنية مع كون اليهود إنما أتوا في قولهم:"يد الله مغلولة"بصيغة الإفراد ليدل على كمال القدرة كما ربما يستفاد من نحو قوله تعالى:"قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين":"ص - 75"لما فيه من الإشعار أو الدلالة على إعمال كمال القدرة ، ونحو قولهم:"لا يدين بها لك"فإن ذلك مبالغة في نفي كل قدرة ونعمة.

وربما ذكروا لليد معاني مختلفة في اللغة غير الجارحة كالقدرة والقوة والنعمة والملك وغير ذلك ، لكن الحق أن اللفظة موضوعة في الأصل للجارحة ، وإنما استعملت في غيرها من المعاني على نحو الاستعارة لكونها من الشئون المنتسبة إلى الجارحة نوعا من الانتساب كانتساب الإنفاق والجود إلى اليد من حيث بسطها ، وانتساب الملك إليها من حيث التصرف والوضع والرفع وغير ذلك.

فما يثبته الكتاب والسنة لله سبحانه من اليد يختلف معناه باختلاف الموارد كقوله تعالى:"بل يداه مبسوطتان"الآية ، وقوله:"أن تسجد لما خلقت بيدي":"ص - 75 يراد به القدرة وكمالها ، وقوله:"بيدك الخير":"آل عمران: 26"، وقوله:"فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء":"يس: 83"، وقوله:"تبارك الذي بيده الملك":"الملك: 1"، إلى غير ذلك يراد بها الملك والسلطة ، وقوله:"لا تقدموا بين يدي الله ورسوله":"الحجرات: 1"يراد بها الحضور ونحوه."

وأما قوله:"ينفق كيف يشاء"فهو بيان لقوله:"يداه مبسوطتان".

قوله تعالى:"و ليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا"هذه الجملة وما يتلوها إلى آخر الآية كلام مسرود لتوضيح قوله:"و قالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا"على ما يعطيه السياق.

فأما قوله:"و ليزيدن كثيرا منهم"إلخ ، فيشير إلى أن اجتراءهم على الله العظيم وتفوههم بمثل قولهم:"يد الله مغلولة"ليس من المستبعد منهم فإن القوم متلبسون بالاعتداء والكفر من قديم أيامهم ، وقد أورثهم ذلك البغي والحسد ، ولا يؤمن من هذه سجيته إذا رأى أن الله فضل غيره عليه بما لا يقدر قدره من النعمة أن يزداد طغيانا وكفرا.

واليهود كانت ترى لنفسها السيادة والتقدم على الدنيا ، وكانت تتسمى بأهل الكتاب ، وتتباهى بالربانيين والأحبار ، وتفتخر بالعلم والحكمة ، وتسمي سائر الناس أميين ، فإذا رأت قرآنا نازلا على قوم كانت تتذلل لعلمها وكتابها - كما كانت هي الحرمة المراعاة بينها وبين العرب في الجاهلية - ثم أمعنت فيه فوجدته كتابا إلهيا مهيمنا على ما تقدم عليه من الكتب السماوية ، ومشتملا على الحق الصريح والتعليم العالي والهداية التامة ثم أحست بما يتعقبه من ذلتها واستكانتها في نفس ما كانت تتعزز وتتباهى به وهو العلم والكتاب.

لا جرم تستيقظ من رقدتها ، وتطغى عاديتها ، ويزيد طغيانها وكفرها.

فنسبة زيادة طغيانهم وكفرهم إلى القرآن إنما هي بعناية أن أنفسهم الباغية الحاسدة ثارت بالطغيان والكفر بمشاهدة نزول القرآن وإدراك ما يتضمنه من المعارف الحقة والدعوة الظاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت