على أن الله سبحانه ينسب الهداية والإضلال في كتابه إلى نفسه كثيرا كقوله:"كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا":"الإسراء: 20"وقال في خصوص القرآن:"و ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا":"الإسراء: 82"والإضلال أو ما يشبهه إنما يعد مذموما إذا كان إضلالا ابتدائيا ، وأما ما كان منه من قبيل الجزاء إثر فسق ومعصية من الضال يوجب نزول السخط الإلهي عليه ويستدعي حلول ما هو أشد مما هو فيه من الضلال فلا ضير في الإضلال بهذا المعنى ولا ذم يلحقه كما يشير إليه قوله:"و ما يضل به إلا الفاسقين":"البقرة: 26"، وقوله:"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم":"الصف - 5".
وبالأخرة يعود معنى زيادة القرآن طغيانهم وكفرهم إلى سلب التوفيق وعدم تعلق العناية الإلهية بردهم مما هم فيه من الطغيان والكفر بآيات الله إلى التسليم والإيمان بإجابة الدعوة الحقة ، وقد تقدم البحث عن هذا المعنى في تفسير قوله تعالى:"و ما يضل به إلا الفاسقين":"البقرة: 26"في الجزء الأول من هذا الكتاب.
ولنرجع إلى أول الكلام فقوله:"و ليزيدن كثيرا منهم"إلخ ، كأنه مسوق لرفع الاستبعاد والتعجب الناشىء من اجتراء هؤلاء المتسمين بأهل الكتاب ، والمدعين أنهم أبناء الله وأحباؤه على ربهم بمثل هذه الكلمة المهينة المزرية: يد الله مغلولة.
وإن من المحتوم اللازم لهم هذه الزيادة في الطغيان والكفر التي هذه الكلمة من آثارها وسيتلوها آثار بعد آثار مشوهة ، وهذا هو المستفاد من التأكيد المدلول عليه بلام القسم ونون التأكيد في قوله:"ليزيدن".
وفي تعقيب الطغيان بالكفر من غير عكس جرى على الترتيب الطبعي فإن الكفر من آثار الطغيان وتبعاته.
قوله تعالى:"و ألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"ضمير بينهم راجع إلى اليهود على ما هو ظاهر وقوع الجملة في سياق الكلام على اليهود خاصة وإن كانت الآيات بدأت الكلام في أهل الكتاب عامة ، وعلى هذا فالمراد بالعداوة والبغضاء بينهم ما يرجع إلى الاختلاف في المذاهب والآراء ، وقد أشار الله سبحانه إليه في مواضع من كلامه كقوله:"و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة - إلى أن قال - فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون":"الجاثية: 17"وغير ذلك من الآيات.
والعداوة كان المراد بها البغض الذي يستصحب التعدي في العمل ، والبغضاء هو مطلق ما في القلب من حالة النفار وإن لم يستعقب التعدي في العمل فيفيد اجتماعهما معنى البغض الذي يوجب الظلم على الغير والبغض الذي يقصر عنه.
وفي قوله تعالى:"إلى يوم القيامة"ما لا يخفى من الدلالة على بقاء أمتهم إلى آخر الدنيا.
قوله تعالى:"كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله"إيقاد النار إشعالها ، وإطفاؤها إخمادها ، والمعنى واضح ، ومن المحتمل أن يكون قوله:"كلما أوقدوا"إلخ بيانا لقوله:"و ألقينا بينهم العداوة"إلخ فيعود المعنى إلى أنه كلما أثاروا حربا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين أطفأها الله بإلقاء الاختلاف بينهم.
والآية على ما يدل عليه السياق تسجل عليهم خيبة المسعى في إيقاد النيران التي يوقدونها على دين الله سبحانه ، وعلى المسلمين بما أنهم مؤمنون بالله وآياته ، وأما الحروب التي ربما أمكن أن يوقدوا نارها لا لأمر الدين الحق بل لسياسة أو تغلب جنسي أو ملي فهي خارجة عن مساق الآية.
قوله تعالى:"و يسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين"السعي هو السير السريع ، وقوله:"فسادا"مفعول له أي يجتهدون لإفساد الأرض ، والله لا يحب المفسدين فلا يخليهم وأن ينالوا ما أرادوه من فساد الأرض فيخيب سعيهم ، والله أعلم.
فهذا كله بيان لكونهم غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ، حيث إنهم غير نائلين ما قصدوه من إثارة الحروب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين ، وما اجتهدوا لأجله من فساد الأرض.