قوله تعالى:"و لو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم إلخ عود إلى حال أهل الكتاب عامة كما كان بدأ الكلام فيهم عامة ، وختم الكلام بتخليص القول في ما فاتهم من نعمة السعادة في الآخرة والدنيا ، وهي جنة النعيم ونعمة الحياة السعيدة."
والمراد بالتقوى بعد الإيمان التورع عن محارم الله واتقاء الذنوب التي تحتم السخط الإلهي وعذاب النار ، وهي الشرك بالله وسائر الكبائر الموبقة التي أوعد الله عليها النار ، فيكون المراد بالسيئات التي وعد الله سبحانه تكفيرها الصغائر من الذنوب ، وينطبق على قوله سبحانه:"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما":"النساء: 31."
قوله تعالى:"و لو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم"المراد بالتوراة والإنجيل الكتابان السماويان اللذان يذكر القرآن أن الله أنزلهما على موسى وعيسى (عليهما السلام) دون ما بأيدي القوم من الكتب التي يذكر أنه لعبت بها يد التحريف.
والظاهر أن المراد بما أنزل إليهم من ربهم سائر الكتب المنسوبة إلى الأنبياء الموجودة عندهم كمزامير داود الذي يسميه القرآن بالزبور ، وغيره من الكتب.
وأما احتمال أن يكون المراد به القرآن فيبعده أن القرآن نسخ بأحكامه شرائع التوراة والإنجيل فلا وجه لعدهما معه وتمني أن يكونوا أقاموهما مع القرآن الناسخ لهما ، والقول بأن العمل بالقرآن عمل بهما أيضا ، كما أن العمل بالأحكام الناسخة في الإسلام عمل بمجموع شرائع الإسلام المتضمنة للناسخ والمنسوخ جميعا لكون دين الله واحدا لا يزاحم بعضه بعضا ، غاية الأمر أن بعض الأحكام مؤجلة موقوتة من غير تناقض يدفعه أن الله سبحانه عبر عن هذا العمل بالإقامة وهي حفظ الشيء على ساق ، ولا يلائم ذلك الأحكام المنسوخة بما هي منسوخة ، فإقامة التوراة والإنجيل إنما يصح حين كانت الشريعتان لم تنسخا بشريعة أخرى ، والإنجيل لم ينسخ شريعة التوراة إلا في أمور يسيرة.
على أن قوله تعالى:"و ما أنزل إليهم من ربهم"يعدهم منزلا إليهم ، وغير معهود من كلامه تعالى أن يذكر أن القرآن نزل إليهم.
فالظاهر أن المراد بما أنزل إليهم من ربهم بعد التوراة والإنجيل سائر الكتب وأقسام الوحي المنزلة على أنبياء بني إسرائيل كزبور داود وغيره ، والمراد بإقامة هذه الكتب حفظ العمل العام بما فيها من شرائع الله تعالى ، والاعتقاد بما بين الله تعالى فيها من معارف المبدأ والمعاد من غير أن يضرب عليها بحجب التحريف والكتمان والترك الصريح ، فلو أقاموها هذه الإقامة لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.
وأما قوله تعالى:"لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم"فالمراد بالأكل التنعم مطلقا سواء كان بالأكل كما في مورد الأغذية أو بغيره كما في غيره ، واستعمال الأكل في مطلق التصرف والتنعم من غير مزاحم شائع في اللغة.
والمراد من فوقهم هو السماء ، ومن تحت أرجلهم هو الأرض ، فالجملة كناية عن تنعمهم بنعم السماء والأرض وإحاطة بركاتهما عليهم نظير ما وقع في قوله تعالى:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون":"الأعراف: 96".
والآية من الدليل على أن لإيمان هذا النوع أعني نوع الإنسان وأعماله الصالحة تأثيرا في صلاح النظام الكوني من حيث ارتباطه بالنوع الإنساني فلو صلح هذا النوع صلح نظام الدنيا من حيث إيفائه باللازم لحياة الإنسان السعيدة من اندفاع النقم ووفور النعم.
ويدل على ذلك آيات أخرى كثيرة في القرآن بإطلاق لفظها كقوله تعالى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين: الروم - 42 وقوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم: الشورى - 30 إلى غير ذلك وقد تقدم بعض ما يتعلق به من الكلام في البحث عن أحكام الأعمال في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
قوله تعالى منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون الاقتصاد أخذ القصد وهو التوسط في الأمور فالأمة المقتصدة هي المعتدلة في أمر الدين والتسليم لأمر الله.