و قد أشار إلى هذه الحقيقة في الآيات السابقة على هذه الآية المبحوث عنها أيضا حيث ذكر أن الله لعن اليهود وغضب عليهم لتعديهم حدوده فألقى بينهم العداوة والبغضاء ، وذكر هذا المعنى في غير هذا المورد في خصوص النصارى بقوله:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة":"المائدة: 14".
وقد حذر الله سبحانه المسلمين عن مثل هذه المصيبة المؤلمة التي سيحلها على أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وأنبأهم أنهم لا يتيسر ولن يتيسر لهم إقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ، وقد صدق جريان التاريخ ما أخبر به الكتاب من تشتت المذاهب فيهم وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم ، فحذر الأمة الإسلامية أن يردوا موردهم في الانقطاع عن ربهم ، وعدم الإنابة إليه في قوله:"و أقم وجهك للدين حنيفا":"الروم: 30"في عدة آيات من السورة.
وقد تقدم البحث عن بعض الآيات الملوحة إلى ذلك في ما تقدم من أجزاء الكتاب وسيأتي الكلام على بعض آخر منها إن شاء الله تعالى.
وأما قوله تعالى:"و ليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا"فقد تقدم البحث عن معناه ، وقوله:"فلا تأس على القوم الكافرين"تسلية منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في صورة النهي عن الأسى.
قوله تعالى:"إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى"الآية ظاهرها أن الصابئون عطف على"الذين آمنوا"بحسب موضعه وجماعة من النحويين يمنعون العطف على اسم إن بالرفع قبل مضي الخبر ، والآية حجة عليهم.
والآية في مقام بيان أن لا عبرة في باب السعادة بالأسماء والألقاب كتسمي جمع بالمؤمنين وفرقة بالذين هادوا ، وطائفة بالصابئين وآخرين بالنصارى ، وإنما العبرة بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ، وقد تقدم البحث عن معنى الآية في تفسير سورة البقرة الآية 62 في الجزء الأول من الكتاب.
قوله تعالى:"لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا"إلى آخر الآية هذه الآية وما بعدها إلى عدة آيات تتعرض لحال أهل الكتاب كالحجة على ما يشتمل عليه قوله تعالى:"قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل"إلخ ، فإن هذه الجرائم والآثام لا تدع للإنسان اتصالا بربه حتى يقيم كتب الله معتمدا عليه.
ويحتمل أن تكون الآيات مرتبطة بقوله:"إن الذين آمنوا والذين هادوا"إلخ ، فيكون تصديقا بأن الأسماء والألقاب لا تنفع شيئا في مرحلة السعادة إذ لو نفعت لصدت هؤلاء عن قتل الأنبياء وتكذيبهم والهلاك بمهلكات الفتن وموبقات الذنوب.
ويمكن أن يكون هذه الآيات كالمبينة لقوله:"إن الذين آمنوا والذين هادوا"إلخ ، وهو كالمبين لقوله:"يا أهل الكتاب لستم على شيء الآية والمعنى ظاهر."
وقوله:"فريقا كذبوا وفريقا يقتلون"الظاهر أن كلمتي"فريقا"في الموضعين مفعولان للفعلين بعدهما قدما عليهما للعناية بأمرهما ، والتقدير: كذبوا فريقا ويقتلون فريقا ، والمجموع جواب قوله:"كلما جاءهم"إلخ ، والمعنى نحو من قولنا: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم أساءوا مواجهته وإجابته وجعلوا الرسل الآتين فريقين: فريقا كذبوا وفريقا يقتلون.
قال في المجمع ،: فإن قيل: لم عطف المستقبل على الماضي يعني في قوله:"فريقا كذبوا وفريقا يقتلون"؟ فجوابه: ليدل على أن ذلك من شأنهم ففيه معنى كذبوا وقتلوا ويكذبون ويقتلون مع أن قوله:"يقتلون"فأصله يجب أن يكون موافقا لرءوس الآي ، انتهى.
قوله تعالى:"و حسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا"إلخ ، متمم للكلام في الآية السابقة ، والحسبان هو الظن ، والفتنة هي المحنة التي تغر الإنسان أو هي أعم من كل شر وبلية ، والعمى هو عدم إبصار الحق وعدم تمييز الخير من الشر ، والصمم عدم سماع العظة وعدم الإعباء بالنصيحة ، وهذا العمى والصمم معلولا حسبانهم أن لا تكون فتنة ، والظاهر أن حسبانهم ذلك معلول ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بكونهم من شعب إسرائيل وأنهم أبناء الله وأحباؤه فلا يمسهم السوء وإن فعلوا ما فعلوا وارتكبوا ما ارتكبوا.