فمعنى الآية - والله أعلم - أنهم لمكان ما اعتقدوا لأنفسهم من كرامة التهود ظنوا أن لا يصيبهم سوء أو لا يفتنون بما فعلوا فأعمى ذلك الظن والحسبان أبصارهم عن إبصار الحق ، وأصم ذلك آذانهم عن سماع ما ينفعهم من دعوة أنبيائهم.
وهذا مما يرجح ما احتملناه أن الآيات كالحجة المبينة لقوله:"إن الذين آمنوا والذين هادوا"الآية فمحصل المعنى أن الأسماء والألقاب لا تنفع أحدا شيئا فهؤلاء اليهود لم ينفعهم ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بالتسمي بل أعماهم وأوردهم مورد الهلكة والفتنة لما كذبوا أنبياء الله وقتلوهم.
قوله تعالى:"ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون"التوبة من الله على عباده رجوعه تعالى بالرحمة إليهم ، وهذا يدل على أن الله سبحانه قد كان بعدهم من رحمته وعنايته ولذلك أخذهم الحسبان المذكور ولزمهم العمى والصمم ، لكن الله سبحانه رجع إليهم ثانية بالتوبة فرفع هذا الحسبان عن قلوبهم ، والعمى والصمم عن أبصارهم وآذانهم ، فعرفوا أنفسهم بأنهم عباد لا كرامة لهم على الله إلا بالتقوى ، وأبصروا الحق وسمعوا عظة الله لهم بلسان أنبيائه فتبين لهم أن التسمي لا ينفع شيئا.
ثم عموا وصموا كثير منهم ، وإسناد العمى والصمم إلى جمعهم أولا ثم إلى كثير منهم - بإتيان كثير منهم بدلا من واو الجمع ، أخذ بالنصفة في الكلام بالدلالة على أن إسناد العمى والصمم إلى جمعهم من قبيل إسناد حكم البعض إلى الكل ، والواقع أن المتصف بهاتين الصفتين كثير منهم لا كلهم أولا ، وإيماء إلى أن العمى والصمم المذكورين أولا شملا جميعهم على ما يدل عليه المقابلة ثانيا ، وأن التوبة الإلهية لم يبطل أثرها ولم تذهب سدى بالمرة بل نجا بالتوبة بعضهم فلم يأخذهم العمى والصمم اللاحقان أخيرا ثالثا.
ثم ختم تعالى الآية بقوله:"و الله بصير بما يعملون"للدلالة على أن الله تعالى لا يغفله شيء ، فغيره تعالى إذا أكرم قوما بكرامة ضرب ذلك على بصره بحجاب يمنعه أن يرى منهم السوء والمكروه ، وليس الله سبحانه على هذا النعت بل هو البصير لا يحجبه شيء عن شيء.
قوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم"وهذا كالبيان لكون النصارى لم تنفعهم النصرانية والانتساب إلى المسيح (عليه السلام) عن تعلق الكفر بهم إذ أشركوا بالله ولم يؤمنوا به حق إيمانه حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم.
والنصارى وإن اختلفوا في كيفية اشتمال المسيح بن مريم على جوهرة الألوهية بين قائل باشتقاق أقنوم المسيح وهو العلم من أقنوم الرب تعالى وهو الحياة ، وذلك الأبوة والبنوة ، وقائل بأنه تعالى صار هو المسيح على نحو الانقلاب ، وقائل بأنه حل فيه كما تقدم بيان ذلك تفصيلا في الكلام على عيسى بن مريم (عليهما السلام) في تفسير سورة آل عمران في الجزء الثالث من الكتاب.
لكن الأقوال الثلاثة جميعا تقبل الانطباق على هذه الكلمة أن الله هو المسيح بن مريم فالظاهر أن المراد بالذين تفوهوا بهذه الكلمة جميع النصارى الغالين في المسيح (عليه السلام) لا خصوص القائلين منهم بالانقلاب.
وتوصيف المسيح بابن مريم لا يخلو من دلالة أو إشعار بسبب كفرهم وهو نسبة الألوهية إلى إنسان ابن إنسان مخلوقين من تراب ، وأين التراب ورب الأرباب؟!.
قوله تعالى:"و قال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم"إلى آخر الآية احتجاج على كفرهم وبطلان قولهم بقول المسيح (عليه السلام) نفسه فإن قوله (عليه السلام) :"اعبدوا الله ربي وربكم"يدل على أنه عبد مربوب مثلهم ، وقوله:"إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة"يدل على أن من يجعل لله شريكا في ألوهيته فهو مشرك كافر محرم عليه الجنة.
وفي قوله تعالى حكاية عنه (عليه السلام) :"فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار"عناية بإبطال ما ينسبونه إلى المسيح من حديث التفدية ، وأنه (عليه السلام) باختياره الصلب فدى بنفسه عنهم فهم مغفور لهم مرفوع عنهم التكاليف الإلهية ومصيرهم إلى الجنة ولا يمسون نارا كما تقدم نقل ذلك عنهم في تفسير سورة آل عمران في قصة عيسى (عليه السلام) فقصة التفدية والصلب إنما سيقت لهذا الغرض.