فهرس الكتاب

الصفحة 1163 من 4314

و ما تحكيه الآية من قوله (عليه السلام) موجود في متفرقات الأبواب من الأناجيل كالأمر بالتوحيد ، وإبطال عبادة المشرك ، والحكم بخلود الظالمين في النار.

قوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة"أي أحد الثلاثة: الأب والابن والروح ، أي هو ينطبق على كل واحد من الثلاثة ، وهذا لازم قولهم: إن الأب إله ، والابن إله ، والروح إله ، وهو ثلاثة ، وهو واحد يضاهئون بذلك نظير قولنا: إن زيد بن عمرو إنسان ، فهناك أمور ثلاثة هي: زيد وابن عمرو والإنسان ، وهناك أمر واحد وهو المنعوت بهذه النعوت ، وقد غفلوا عن أن هذه الكثرة إن كانت حقيقية غير اعتبارية أوجبت الكثرة في المنعوت حقيقة ، وأن المنعوت إن كان واحدا حقيقة أوجب ذلك أن تكون الكثرة اعتبارية غير حقيقية فالجمع بين هذه الكثرة العددية والوحدة العددية في زيد المنعوت بحسب الحقيقة مما يستنكف العقل عن تعقله.

ولذا ربما ذكر بعض الدعاة من النصارى أن مسألة التثليث من المسائل المأثورة من مذاهب الأسلاف التي لا تقبل الحل بحسب الموازين العلمية ، ولم يتنبه أن عليه أن يطالب الدليل على كل دعوى يقرع سمعه سواء كان من دعاوي الأسلاف أو من دعاوي الأخلاف.

قوله تعالى:"و ما من إله إلا إله واحد"إلى آخر الآية رد منه تعالى لقولهم:"إن الله ثالث ثلاثة"بأن الله سبحانه لا يقبل بذاته المتعالية الكثرة بوجه من الوجوه فهو تعالى في ذاته واحد ، وإذا اتصف بصفاته الكريمة وأسمائه الحسنى لم يزد ذلك على ذاته الواحدة شيئا ولا الصفة إذا أضيفت إلى الصفة أورث ذلك كثرة وتعددا فهو تعالى أحدي الذات لا ينقسم لا في خارج ولا في وهم ولا في عقل.

فليس الله سبحانه بحيث يتجزأ في ذاته إلى شيء وشيء قط ، ولا أن ذاته بحيث يجوز أن يضاف إليه شيء فيصير اثنين أو أكثر ، كيف؟ وهو تعالى مع هذا الشيء الذي تراد إضافته إليه تعالى في وهم أو فرض أو خارج.

فهو تعالى واحد في ذاته لكن لا بالوحدة العددية التي لسائر الأشياء المتكون منها الكثرات ، ولا منعوت بكثرة في ذات أو اسم ، أو صفة ، كيف؟ وهذه الوحدة العددية والكثرة المتألفة منها كلتاهما من آثار صنعه وإيجاده فكيف يتصف بما هو من صنعه؟.

وفي قوله تعالى:"و ما من إله إلا إله واحد"من التأكيد في إثبات التوحيد ما ليس في غيره حيث سيق الكلام بنحو النفي والاستثناء ، ثم أدخل"من"على النفي لإفادة تأكيد الاستغراق ، ثم جيء بالمستثنى وهو قوله:"إله واحد"بالتنكير المفيد للتنويع ولو أورد معرفة كقولنا"إلا الإله الواحد"لم يفد ما يرام من حقيقة التوحيد.

فالمعنى:"ليس في الوجود شيء من جنس الإله أصلا إلا إله واحد نوعا من الوحدة لا يقبل التعدد أصلا لا تعدد الذات ولا تعدد الصفات ، لا خارجا ولا فرضا ، ولو قيل: وما من إله إلا الله الواحد لم يدفع به قول النصارى إن الله ثالث ثلاثة فإنهم لا ينكرون الوحدة فيه تعالى ، وإنما يقولون: إنه ذات واحدة لها تعين بصفاتها الثلاث ، وهي واحدة في عين أنها كثيرة حقيقة."

ولا يندفع ما احتملوه من المعنى إلا بإثبات وحدة لا تتألف منه كثرة أصلا ، وهو الذي يتوخاه القرآن الكريم بقوله:"و ما من إله إلا إله واحد".

وهذا من لطائف المعاني التي يلوح إليها الكتاب الإلهي في حقيقة معنى التوحيد وسنغور في البحث المستوفى عنه في بحث قرآني خاص ثم في بحث عقلي وآخر نقلي إيفاء لحقه.

قوله تعالى:"و إن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم"تهديد لهم بالعذاب الأليم الأخروي الذي هو ظاهر الآية الكريمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت