فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و لما كان القول بالتثليث الذي تتضمنه كلمة:"إن الله ثالث ثلاثة"ليس في وسع عقول عامة الناس أن تتعقله فأغلب النصارى يتلقونه قولا مذهبيا مسلما بلفظة من غير أن يعقلوا معناه ، ولا أن يطمعوا في تعقله كما ليس في وسع العقل السليم أن يعقله عقلا صحيحا ، وإنما يتعقل كتعقل الفروض المحالة كالإنسان اللاإنسان ، والعدد الذي ليس بواحد ولا كثير ولا زوج ولا فرد فلذلك تتسلمه العامة تسلما من غير بحث عن معناه ، وإنما يعتقدون في البنوة والأبوة شبه معنى التشريف فهؤلاء في الحقيقة ليسوا من أهل التثليث ، وإنما يمضغون الكلمة مضغا ، وينتمون إليها انتماء بخلاف غير العامة منهم وهم الذين ينسب الله سبحانه إليهم اختلاف المذاهب ويقرر أن ذلك ببغيهم كما قال تعالى:"أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه - إلى أن قال: - وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم":"الشورى: 14".
فالكفر الحقيقي الذي لا ينتهي إلى استضعاف - وهو الذي فيه إنكار التوحيد والتكذيب بآيات الله - إنما يتم في بعضهم دون كلهم ، وإنما أوعد الله بالنار الخالد الذين كفروا وكذبوا بآيات الله ، قال:"و الذين كفروا وكذبوا بآيات الله أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون":"البقرة: 39"إلى غير ذلك من الآيات ، وقد مر الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى:"إلا المستضعفين"الآية:"النساء: 98".
ولعل هذا هو السر في التبعيض الظاهر من قوله:"ليمسن الذين كفروا منهم"أو أن المراد به الإشارة إلى أن من النصارى من لا يقول بالتثليث ، ولا يعتقد في المسيح إلا أنه عبد الله ورسوله ، كما كانت على ذلك مسيحيوا الحبشة وغيرها على ما ضبطه التاريخ فالمعنى: لئن لم ينته النصارى عما يقولون نسبة قول بعض الجماعة إلى جميعهم ليمسن الذين كفروا منهم - وهم القائلون بالتثليث منهم - عذاب أليم.
وربما وجهوا الكلام أعني قوله:"ليمسن الذين كفروا منهم"بأنه من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر ، والأصل: ليمسنهم انتهى ، وإنما عدل إلى وضع الموصول وصلته مكانه ليدل على أن ذلك القول كفر بالله ، وأن الكفر سبب العذاب الذي توعدهم به.
وهذا وجه لا بأس به لو لا أن الآية مصدرة بقوله:"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة"ونظيره في البعد قول بعض آخر: إن"من"في قوله"منهم"بيانية فإنه قول من غير دليل.
قوله تعالى:"أ فلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم"تحضيض على التوبة والاستغفار ، وتذكير بمغفرة الله ورحمته ، أو إنكار أو توبيخ.
قوله تعالى:"ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام"رد لقولهم:"إن الله ثالث ثلاثة"أو لقولهم هذا وقولهم المحكي في الآية السابقة:"إن الله هو المسيح بن مريم"جميعا ، ومحصله اشتمال المسيح على جوهرة الألوهية ، بأن المسيح لا يفارق سائر رسل الله الذين توفاهم الله من قبله كانوا بشرا مرسلين من غير أن يكونوا أربابا من دون الله سبحانه ، وكذلك أمه مريم كانت صديقة تصدق بآيات الله تعالى وهي بشر ، وقد كان هو وأمه جميعا يأكلان الطعام ، وأكل الطعام مع ما يتعقبه مبني على أساس الحاجة التي هو أول أمارة من أمارات الإمكان والمصنوعية فقد كان المسيح (عليه السلام) ممكنا متولدا من ممكن ، وعبدا ورسولا مخلوقا من أمه كانا يعبدان الله ، ويجريان في سبيل الحاجة والافتقار من دون أن يكون ربا.
وما بيد القوم من كتب الإنجيل معترفة بذلك تصرح بكون مريم فتاة كانت تؤمن بالله وتعبده ، وتصرح بأن عيسى تولد منها كالإنسان من الإنسان ، وتصرح بأن عيسى كان رسولا من الله إلى الناس كسائر الرسل وتصرح بأن عيسى وأمه مريم كانا يأكلان الطعام.
فهذه أمور صرحت بها الأناجيل ، وهي حجج على كونه (عليه السلام) عبدا رسولا.
ويمكن أن تكون الآية مسوقة لنفي ألوهية المسيح وأمه كليهما على ما يظهر من قوله تعالى:"أ أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله":"المائدة: 161"أنه كان هناك من يقول بألوهيتها كالمسيح أو أن المراد به اتخاذها إلها كما ينسب إلى أهل الكتاب أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، وذلك بالخضوع لها ولهم بما لا يخضع لبشر بمثله.