فهرس الكتاب

الصفحة 1165 من 4314

و كيف كان فالآية على هذا التقدير تنفي عن المسيح وأمه معا الألوهية بأن المسيح كان رسولا كسائر الرسل ، وأمه كانت صديقة ، وهما معا كانا يأكلان الطعام ، وذلك كله ينافي الألوهية.

وفي قوله تعالى:"قد خلت من قبله الرسل"حيث وصف الرسل بالخلو من قبله ، وهو الموت تأكيد للحجة بكونه بشرا يجوز عليه الموت والحياة كما جاز على الرسل من قبله.

قوله تعالى:"انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون"الخطاب للنبي ، (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في مقام التعجيب أي تعجب من كيفية بياننا لهم الآيات ، وهو أوضح بيان لأظهر آية في بطلان دعواهم ألوهية المسيح ، وكيفية صرفهم عن تعقل هذه الآيات فإلى أي غاية يصرفون عنها ، ولا تلتفت إلى نتيجتها - وهي بطلان دعواهم - عقولهم؟.

قوله تعالى:"قل أ تعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم"كان الخضوع لأمر الربوبية إنما انتشر بين البشر في أقدم عهوده ، وخاصة بين العامة منهم - وعامتهم كانوا يعبدون الأصنام - طمعا في أن يدفع الرب عنهم الشر ويوصل إليهم النفع كما يتحصل من الأبحاث التاريخية ، وأما عبادة الله لأنه الله عز اسمه فلم يكن يعدو الخواص منهم كالأنبياء والربانيين من أممهم.

فأمر الله سبحانه رسوله أن يخاطبهم خطاب البشر الساذج الجاري على ما تلهمه فطرته الساذجة في عبادة الله كما خاطب الوثنيين وعباد الأصنام بذلك فيذكرهم أن الذي يضطر الإنسان بعبادة الرب هو أنه يرى أزمة الخير والشر والنفع والضر بيده فيعبده لأنه يملك الضر والنفع طمعا في أن يدفع عنه الضر ويوصل إليه الخير لعبادته له.

وكل ما هو دون الله تعالى لا يملك شيئا من ضر ولا نفع لأنه مملوك لله محضا مسلوب عنه القدرة في نفسه فكيف يسوغ تخصيصه بالعبادة ، وإشراكه مع ربه الذي هو المالك له ولغيره ، وقد كان من الواجب أن يخص هو تعالى بالعبادة ، ولا يتعدى عنه إلى غيره لأنه هو الذي يختص به السمع والإجابة فيسمع ويجيب المضطر إذ دعاه ، وهو الذي يعلم حوائج عباده ولا يغفل عنها ولا يغلط فيها بخلاف غيره تعالى فإنه إنما يملك ما ملكه الله ، ويقوى على ما قواه الله سبحانه.

فقد تبين بهذا البيان: أولا: أن الحجة التي تشتمل عليها هذه الآية غير الحجة التي تشتمل عليها الآية السابقة وإن توقفتا معا على مقدمة مشتركة ، وهي كون المسيح وأمه ممكنين محتاجين ، فالآية السابقة حجتها أن المسيح وأمه كانا بشرين محتاجين عبدين مطيعين لله سبحانه ، ومن كان حاله هذا الحال لم يصح أن يكون إلها معبودا ، وحجة هذه الآية: أن المسيح ممكن محتاج مملوك بنفسه لا يملك ضرا ولا نفعا ، ومن كان حاله هذا الحال لم يستقم ألوهيته وعبادته من دون الله.

وثانيا: أن الحجة مأخوذة مما يدركه الفهم البسيط والعقل الساذج من جهة غرض الإنسان البسيط في عبادته فإنه إنما يتخذ ربا ويعبده ليدفع عنه الضر ويجلب إليه النفع ، وهذا إنما يملكه الله تعالى دون غيره ، فلا غرض يتعلق بعبادة غير الله فمن الواجب أن يرفض عبادته.

وثالثا: أن قوله:"ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا"إنما أخذت فيه لفظة"ما"دون لفظة"من"مع المسيح من أولي العقل لأن الحجة بعينها هي التي تقام على الوثنيين وعبدة الأصنام التي لا شعور لها ، ولا دخل في كون المسيح (عليه السلام) من أولي العقل في تمام الحجة فهي تامة في كل معبود مفروض دون الله سبحانه.

على أن غيره تعالى وإن كان من أولي العقل والشعور لا يملكون شيئا من العقل والشعور من عند أنفسهم كسائر ما ينسب إليهم من شئون وجودهم قال تعالى:"إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ، أ لهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون":"الأعراف: 159".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت