فهرس الكتاب

الصفحة 1166 من 4314

و كذلك تقديم الضر على النفع في قوله:"ضرا ولا نفعا"للجري على وفق ما تدركه وتدعوا إليه الفطرة الساذجة كما مر ، فإن الإنسان بحسب الطبع يرى ما تلبس به من النعم الموجودة عنده ما دامت عنده مملوكة لنفسه لا تلتفت نفسه إلى إمكان فقدها ولا تتصور ألمه عند فقدها بخلاف المضار التي يجدها بالفعل ، والنعم التي يفتقدها ويجد ألم فقدها ، فإن الفطرة تنبهها إلى الالتجاء إلى رب يدفع عنها الضر والضير ، ويجلب إليها النعمة المسلوبة كما قال تعالى:"و إذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه":"يونس: 12"، وقال تعالى:"و لئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي":"حم السجدة: 50"، وقال تعالى:"و إذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض":"حم السجدة: 51".

فتحصل أن مس الضر أبعث للإنسان إلى الخضوع للرب وعبادته من وجدان النفع ، ولذلك قدم الله سبحانه الضر على النفع في قوله:"ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا"وكذا في سائر الموارد التي تماثله كقوله:"اتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا":"الفرقان: 3".

ورابعا: أن مجموع الآية:"أ تعبدون من دون الله"إلى آخرها حجة على وجوب قصر العبادة في الله سبحانه من دون إشراك غيره معه وهي منحلة إلى حجتين ملخصهما: أن اتخاذ الإله وعبادة الرب إنما هو لغرض دفع الضر وجلب النفع فيجب أن يكون الإله المعبود مالكا لذلك ولا يجوز عبادة من لا يملك شيئا ، والله سبحانه هو السميع المجيب للدعوة العليم بكنه الحاجة من غير جهل دون غيره فوجب عبادته من غير إشراك غيره.

قوله تعالى:"قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق"خطاب آخر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمره أن يدعو أهل الكتاب إلى عدم الغلو في دينهم ، وأهل الكتاب وخاصة النصارى مبتلون بذلك ، و"الغالي"المتجاوز عن الحد بالإفراط ، ويقابله"القالي"في طرف التفريط.

ودين الله الذي يفسره كتبه المنزلة يأمر بالتوحيد ونفي الشريك وينهى عن اتخاذ الشركاء لله سبحانه ، وقد ابتلي بذلك أهل الكتاب عامة اليهود والنصارى ، وإن كان أمر النصارى في ذلك أشنع وأفظع قال تعالى:"و قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا إلا هو سبحانه عما يشركون":"التوبة: 31".

والقول بأن عزيرا ابن الله وإن كان غير ظاهر اليوم عند اليهود لكن الآية تشهد بأنهم كانوا يقولون ذلك في عصر النزول.

والظاهر أن ذلك كان لقبا تشريفيا يلقبونه به قبال ما خدمهم وأحسن إليهم في إرجاعهم إلى أورشليم بيت المقدس بعد إسارة بابل ، وجمع لهم التوراة ثانيا بعد ضياعه في قصة بخت نصر ، وقد كانوا يعدون بنوة الله لقبا تشريفيا كما يتخذ النصارى اليوم الأبوة كذلك ويسمون الباباوات والبطارقة والقسيسين بالآباء الباب والبابا: الأب وقد قال تعالى:"و قالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه":"المائدة: 18".

بل الآية الثانية أعني قوله:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم"تدل على ذلك حيث اقتصر فيها على ذكر المسيح (عليه السلام) ، ولم يذكر عزيرا فدل على دخوله في عموم قوله:"أحبارهم ورهبانهم"وأنهم إنما كانوا يسمونه ابن الله كما يسمون أحبارهم أبناء الله ، وقد خصوه بالذكر وحده شكرا لإحسانه إليهم كما تقدمت الإشارة إليه.

وبالجملة وضعهم بعض أنبيائهم وأحبارهم ورهبانهم موضع الربوبية وخضوعهم لهم بما لا يخضع بمثله إلا لله سبحانه غلو منهم في دينهم ينهاهم الله عن ذلك بلسان نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وتقييد الغلو في الدين بغير الحق - ولا يكون الغلو إلا كذلك - إنما هو للتأكيد وتذكير لازم المعنى مع ملزومه لئلا يذهل عنه السامع وقد ذهل حين غلا أو كان كالذاهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت