فهرس الكتاب

الصفحة 1167 من 4314

و إطلاق الأب على الله سبحانه بتحليل معناه وتجريده عن وسمة نواقص المادة الجسمانية أي من بيده الإيجاد والتربية ، وكذلك الابن بمعناه المجرد التحليلي وإن لم يمنعه العقل لكنه ممنوع شرعا لتوقيفية أسماء الله سبحانه لما في التوسع في إطلاق الأسماء المختلفة عليه تعالى من المفاسد ، وكفى مفسدة في إطلاق الأب والابن ما لقيته الأمتان: اليهود والنصارى وخاصة النصارى من أولياء الكنيسة خلال قرون متمادية ولن يزال الأمر على ذلك.

قوله تعالى:"و لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل"ظاهر السياق أن المراد بهؤلاء القوم الذين نهوا عن اتباع أهوائهم هم المتبوعون المطاعون في آرائهم وأوامرهم فيكون ضلالهم لمكان التزامهم بآرائهم إضلالهم كثيرا هو اتباع غيرهم لهم ، وضلالهم عن سواء السبيل هو المتحصل لهم من ضلالهم وإضلالهم ، وهو ضلال على ضلال.

وكذلك ظاهر السياق أن المراد بهم هم الوثنية وعبدة الأصنام فإن ظاهر السياق أن الخطاب إنما هو لجميع أهل الكتاب لا للمعاصرين منهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يكون نهيا لمتأخريهم عن اتباع متقدميهم.

ويؤيده بل يدل عليه قوله تعالى:"و قالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل":"التوبة: 30".

فيكون ذلك حقيقة تحليلية تاريخية أشار إليها القرآن الكريم هي أن القول بالأبوة والبنوة مما تسرب إلى أهل الكتاب من قبل من تقدمهم من الوثنية ، وقد تقدم في الكلام على قصص المسيح (عليه السلام) في سورة آل عمران في الجزء الثالث من الكتاب أن هذا القول في جملة من الأقوال والآراء موجود عند الوثنية البرهمنية والبوذية في الهند والصين ، وكذلك مصر القديم وغيرهم ، وإنما أخذ بالتسرب في الملة الكتابية بيد دعاتها ، فظهر في زي الدين وكان الاسم لدين التوحيد والمسمى للوثنية.

قوله تعالى:"لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم"إلى آخر الآيتين إخبار بأن الكافرين منهم ملعونون بلسان أنبيائهم ، وفيه تعريض لهؤلاء الذين كفرهم الله في هذه الآيات من اليهود ملعونين بدعوة أنبيائهم أنفسهم ، وذلك بسبب عصيانهم لأنبيائهم ، وهم كانوا مستمرين على الاعتداء وقوله:"كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه""إلخ"بيان لقوله:"و كانوا يعتدون".

قوله تعالى:"ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا""إلخ"، وهذا من قبيل الاستشهاد بالحس على كونهم معتدين فإنهم لو قدروا دينهم حق قدره لزموه ولم يعتدوه ، ولازم ذلك أن يتولوا أهل التوحيد ويتبرءوا من الذين كفروا لأن أعداء ما يقدسه قوم أعداء لذلك القوم ، فإذا تحابوا وتوالوا دل ذلك على إعراض ذلك القوم وتركهم ما كانوا يقدسونه ويحترمونه ، وصديق العدو عدو ، ثم ذمهم الله تعالى بقوله:"لبئس ما قدمت لهم أنفسهم"وهو ولاية الكفار عن هوى النفس ، وكان جزاؤه ووباله"أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون"، ففي الآية وضع جزاء العمل وعاقبته موضع العمل كأن أنفسهم قدمت لهم جزاء العمل بتقديم نفس العمل.

قوله تعالى:"و لو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون"أي ولو كان أهل الكتاب هؤلاء يؤمنون بالله والنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وما أنزل إليه ، أو نبي أنفسهم كموسى مثلا وما أنزل إليه كالتوراة مثلا ما اتخذوا أولئك الكفار أولياء لأن الإيمان يجب سائر الأسباب ، ولكن كثيرا منهم فاسقون متمردون عن الإيمان.

وفي الآية وجه آخر احتملوه ، وهو أن يرجع ضمائر قوله:"كانوا"و"يؤمنون"و"هم"في قوله:"ما اتخذوهم"راجعة إلى الذين كفروا ، والمعنى: ولو كان الذين كفروا أولئك الكفار الذين يتولاهم أهل الكتاب يؤمنون بالله والنبي والقرآن ما اتخذتهم أهل الكتاب أولياء ، وإنما تولوهم لمكان كفرهم ، وهذا وجه لا بأس به غير أن الإضراب في قوله:"و لكن كثيرا منهم فاسقون"لا يلائمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت