فهرس الكتاب

الصفحة 1174 من 4314

و لذلك وصفه تعالى أولا بأنه صمد ، وهو المصمت الذي لا جوف له ولا مكان خاليا فيه ، وثانيا بأنه لم يلد ، وثالثا بأنه لم يولد ، ورابعا بأنه لم يكن له كفوا أحد ، وكل هذه الأوصاف مما يستلزم نوعا من المحدودية والانعزال.

وهذا هو السر في عدم وقوع توصيفات غيره تعالى عليه حق الوقوع والاتصاف قال تعالى:"سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين":"الصافات: 106"، وقال تعالى:"و لا يحيطون به علما":"طه: 101"، فإن المعاني الكمالية التي نصفه تعالى بها أوصاف محدودة ، وجلت ساحته سبحانه عن الحد والقيد ، وهو الذي يرومه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلمته المشهورة: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"."

وهذا المعنى من الوحدة هو الذي يدفع به تثليث النصارى فإنهم موحدون في عين التثليث لكن الذي يذعنون به من الوحدة وحدة عددية لا تنفي الكثرة من جهة أخرى فهم يقولون: إن الأقانيم الأب والابن والروح الذات والعلم والحياة ثلاثة وهي واحدة كالإنسان الحي العالم فهو شيء واحد لأنه إنسان حي عالم وهو ثلاثة لأنه إنسان وحياة وعلم.

لكن التعليم القرآني ينفي ذلك لأنه يثبت من الوحدة ما لا يستقيم معه فرض أي كثرة وتمايز لا في الذات ولا في الصفات ، وكل ما فرض من شيء في هذا الباب كان عين الآخر لعدم الحد فذاته تعالى عين صفاته ، وكل صفة مفروضة له عين الأخرى ، تعالى الله عما يشركون ، وسبحانه عما يصفون.

ولذلك ترى أن الآيات التي تنعته تعالى بالقهارية تبدأ أولا بنعت الوحدة ثم تصفه بالقهارية لتدل على أن وحدته لا تدع لفارض مجال أن يفرض له ثانيا مماثلا بوجه فضلا عن أن يظهر في الوجود ، وينال الواقعية والثبوت ، قال تعالى:"أ أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم":"يوسف: 40"، فوصفه بوحدة قاهرة لكل شريك مفروض لا تبقى لغيره تعالى من كل معبود مفروض إلا الاسم فقط ، وقال تعالى:"أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار":"الرعد: 16"، قال تعالى:"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار":"المؤمن: 16"، إذ ملكه تعالى المطلق لا يخلي مالكا مفروضا غيره دون أن يجعله نفسه وما يملكه ملكا لله سبحانه ، وقال تعالى:"و ما من إله إلا الله الواحد القهار": ص: 65"، وقال تعالى:"لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار":"الزمر: 4"، فرتب القهارية في جميع الآيات على صفة الوحدة."

في التوحيد ، والخصال ، بإسناده عن المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه قال: إن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين أ تقول: إن الله واحد؟ قال: فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أ ما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم!. ثم قال: يا أعرابي إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا يجوزان على الله عز وجل ، ووجهان يثبتان فيه فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز ، لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد أ ما ترى أنه كفر من قال: إنه ثالث ثلاثة؟ وقول القائل: هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنه تشبيه ، وجل ربنا وتعالى عن ذلك. وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربنا ، وقول القائل: إنه عز وجل أحدي المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم ، كذلك ربنا عز وجل: . أقول: ورواه أيضا في المعاني ، بسند آخر عن أبي المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه عنه (عليه السلام) .

وفي النهج ،: أول الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة ، فمن وصف الله فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده الخطبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت