و الآيات بسياقها - كما ترى - تنفي كل وحدة مضافة إلى كثرة مقابلة لها سواء كانت وحدة عددية كالفرد الواحد من النوع الذي لو فرض بإزائه فرد آخر كانا اثنين فإن هذا الفرد مقهور بالحد الذي يحده به الفرد الآخر المسلوب عنه المفروض قباله ، أو كانت وحدة نوعية أو جنسية أو أي وحدة كلية مضافة إلى كثرة من سنخها كالإنسان الذي هو نوع واحد مضاف إلى الأنواع الكثيرة الحاصلة منه ومن الفرس والبقر والغنم وغيرها فإنه مقهور بالحد الذي يحده به ما يناظره من الأنواع الآخر ، وإذ كان تعالى لا يقهره شيء في شيء البتة من ذاته ولا صفته ولا فعله وهو القاهر فوق كل شيء فليس بمحدود في شيء يرجع إليه ، فهو موجود لا يشوبه عدم ، وحق لا يعرضه بطلان ، وهو الحي لا يخالطه موت ، والعليم لا يدب إليه جهل ، والقادر لا يغلبه عجز ، والمالك والملك من غير أن يملك منه شيء والعزيز الذي لا ذل له ، وهكذا.
فله تعالى من كل كمال محضه ، وإن شئت زيادة تفهم وتفقه لهذه الحقيقة القرآنية فافرض أمرا متناهيا وآخر غير متناه تجد غير المتناهي محيطا بالمتناهي بحيث لا يدفعه المتناهي عن كماله المفروض أي دفع ، فرضته بل غير المتناهي مسيطر عليه بحيث لا يفقده المتناهي في شيء من أركان كماله ، وغير المتناهي هو القائم على نفسه ، الشهيد عليه ، المحيط به ، ثم انظر في ذلك إلى ما يفيده قوله تعالى:"أ ولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ، ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط":"حم السجدة: 54".
وهذا هو الذي يدل عليه عامة الآيات الواصفة لصفاته تعالى الواقعة في سياق الحصر أو الظاهر فيه كقوله تعالى:"الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى":"طه: 8"، وقوله:"و يعلمون أن الله هو الحق المبين":"النور: 25"، وقوله:"هو الحي لا إله إلا هو":"المؤمن: 65"، وقوله:"و هو العليم القدير":"الروم: 54"، وقوله:"إن القوة لله جميعا":"البقرة: 156"، وقوله:"له الملك وله الحمد":"التغابن: 1"، وقوله:"إن العزة لله جميعا":"يونس: 65"، وقوله:"الحق من ربك":"البقرة: 174"، وقوله:"أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني":"فاطر: 15"، إلى غير ذلك من الآيات.
فالآيات - كما ترى - تنادي بأعلى صوتها أن كل كمال مفروض فهو لله سبحانه بالأصالة ، وليس لغيره شيء إلا بتمليكه تعالى له ذلك من غير أن ينعزل عما يملكه ويملكه كما ننعزل نحن معاشر الخليقة عما ملكناه غيرنا.
فكلما فرضنا شيئا من الأشياء ذا شيء من الكمال في قباله تعالى ليكون ثانيا له وشريكا عاد ما بيده من معنى الكمال لله سبحانه محضا ، وهو الحق الذي يملك كل شيء ، وغيره الباطل الذي لا يملك لنفسه شيئا قال تعالى:"لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا":"الفرقان: 3".
وهذا المعنى هو الذي ينفي عنه تعالى الوحدة العددية إذ لو كان واحدا عدديا أي موجودا محدودا منعزل الذات عن الإحاطة بغيره من الموجودات صح للعقل أن يفرض مثله الثاني له سواء كان جائز التحقق في الخارج أو غير جائز التحقق ، وصح عند العقل أن يتصف بالكثرة بالنظر إلى نفسه وإن فرض امتناعه في الواقع ، وليس كذلك.
فهو تعالى واحد بمعنى أنه من الوجود بحيث لا يحد بحد حتى يمكن فرض ثان له فيما وراء ذلك الحد وهذا معنى قوله تعالى:"قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد": سورة التوحيد - 4 فإن لفظ أحد إنما يستعمل استعمالا يدفع إمكان فرض العدد في قباله يقال:"ما جاءني أحد"وينفي به أن يكون قد جاء الواحد وكذا الاثنان والأكثر وقال تعالى:"و إن أحد من المشركين استجارك":"التوبة: 6"فشمل الواحد والاثنين والجماعة ولم يخرج عن حكمه عدد ، وقال تعالى:"أو جاء أحد منكم من الغائط"فشمل الواحد وما وراءه ، ولم يشذ منه شاذ.
فاستعمال لفظ أحد في قوله:"هو الله أحد"في الإثبات من غير نفي ولا تقييد بإضافة أو وصف يفيد أن هويته تعالى بحيث يدفع فرض من يماثله في هويته بوجه سواء كان واحدا أو كثيرا فهو محال بحسب الفرض الصحيح مع قطع النظر عن حاله بحسب الخارج.