فهرس الكتاب

الصفحة 1172 من 4314

فهذا كله مما لا شك فيه ، وقد قرر القرآن هذا الاختلاف في موارد من آياته الكريمة كقوله تعالى:"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب":"الزمر: 9"، وقوله تعالى:"فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم":"النجم: 30"، وقوله تعالى:"فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا":"النساء: 87"، وقوله تعالى في ذيل الآية 75 من المائدة وهي من جملة الآيات التي نحن فيها:"انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون".

ومن أظهر مصاديق هذا الاختلاف الفهمي اختلاف أفهام الناس في تلقي معنى توحده تعالى لما في أفهامهم من الاختلاف العظيم والنوسان الوسيع في تقرير مسألة وجوده تعالى على ما بينهم من الاتفاق على ما تعطيه الفطرة الإنسانية بإلهامها الخفي وإشارتها الدقيقة.

فقد بلغ فهم آحاد من الإنسان في ذلك أن جعل الأوثان المتخذة ، والأصنام المصنوعة من الخشب والحجارة حتى من نحو الأقط والطينة المعمولة من أبوال الغنم شركاء لله ، وقرناء له ، يعبد كما تعبد هؤلاء ، ويسأل كما تسأل هؤلاء ، ويخضع له كما يخضع لها ، ولم يلبث هذا الإنسان دون أن غلب هذه الأصنام عليه تعالى بزعمه ، وأقبل عليها وتركه ، وأمرها على حوائجه وعزله.

فهذا الإنسان قصارى ما يراه من الوجود له تعالى هو مثل ما يراه لآلهته التي خلقها بيده ، أو خلقها إنسان مثله بيده ، ولذلك كانوا يثبتون له تعالى من صفة الوحدة مثل ما يصفون به كل واحد من أصنامهم ، وهي الوحدة العددية التي تتألف منها الأعداد ، قال تعالى:"و عجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ، أ جعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب: ص: 6".

فهؤلاء كانوا يتلقون الدعوة القرآنية إلى التوحيد دعوة إلى القول بالوحدة العددية التي تقابل الكثرة العددية كقوله تعالى:"و إلهكم إله واحد لا إله إلا هو":"البقرة: 136"وقوله تعالى:"هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين": المؤمن: 65"وغير ذلك من الآيات الداعية إلى رفض الآلهة الكثيرة ، وتوجيه الوجه لله الواحد ، وقوله تعالى:"و إلهنا وإلهكم واحد":"العنكبوت: 46"وغيره من الآيات الداعية إلى رفض التفرق في العبادة للإله ، حيث كانت كل أمة أو طائفة أو قبيلة تتخذ إلها تختص به ، ولا تخضع لإله الآخرين."

والقرآن ينفي في عالي تعليمه الوحدة العددية عن الإله جل ذكره ، فإن هذه الوحدة لا تتم إلا بتميز هذا الواحد من ذلك الواحد بالمحدودية التي تقهره ، والمقدرية التي تغلبه ، مثال ذلك ماء الحوض إذا فرقناه في آنية كثيرة كان ماء كل إناء ماء واحدا غير الماء الواحد الذي في الإناء الآخر ، وإنما صار ماء واحدا يتميز عما في الآخر لكون ما في الآخر مسلوبا عنه غير مجتمع معه ، وكذلك هذا الإنسان إنما صار إنسانا واحدا لأنه مسلوب عنه ما للإنسان الآخر ، ولو لا ذلك لم يأت للإنسانية الصادقة على هذا وذاك أن تكون واحدة بالعدد ولا كثيرة بالعدد.

فمحمودية الوجود هي التي تقهر الواحد العددي على أن يكون واحدا ثم بانسلاب هذه الوحدة من بعض الجهات تتألف كثرة عددية كما عنده عروض صفة الاجتماع بوجه.

وإذ كان الله سبحانه قاهرا غير مقهور ، وغالبا لا يغلبه شيء البتة كما يعطيه التعليم القرآني لم تتصور في حقه وحدة عددية ولا كثرة عددية ، قال تعالى: "و هو الواحد القهار":"الرعد: 16" ، وقال: "أ أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم":"يوسف: 40" ، وقال: "و ما من إله إلا الله الواحد القهار":"ص: 65" ، وقال: "لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار":"الزمر: 4".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت