فإن قلت: الميسر بعمومه يشمل الأزلام بالمعنى الآخر الذي هو الاستقسام بالأقداح ، ولا وجه لإيراد الخاص بعد العام من غير نكتة ظاهرة فالمتعين حمل اللفظ على سهام التفؤل والخيرة التي كان العمل بها معروفا عندهم في الجاهلية قال الشاعر: فلئن جذيمة قتلت ساداتها.
فنساؤها يضربن بالأزلام.
وهو كما روي أنهم كانوا يتخذون أخشابا ثلاثة رقيقة كالسهام أحدها مكتوب عليه"افعل"والثاني مكتوب عليه لا تفعل والثالث غفل لا كتابة عليه فيجعلها الضارب في خريطة معه وهي متشابه فإذا أراد الشروع في أمر يهمه كالسفر وغير ذلك أخرج واحدا منها فإن كان الذي عليه مكتوب"افعل"عزم عليه ، وإن خرج الذي مكتوب عليه"لا تفعل"تركه ، وإن خرج الثالث أعاد الضرب حتى يخرج واحد من الأولين ، وسمي استقساما لأن فيه طلب ما قسم له من رزق أو خير آخر من الخيرات.
فالآية تدل على حرمته لأن فيه تعرضا لدعوى علم الغيب ، وكذا كل ما يشاكله من الأعمال كأخذها الخيرة بالسبحة ونحوها.
قلت: قد عرفت أن الآية في أول السورة:"و أن تستقسموا بالأزلام"ظاهرة في الاستقسام بالأقداح الذي هو نوح من القمار لوقوعه في ضمن محرمات الأكل ، ويتأيد به أن ذلك هو المراد بالأزلام في هذه الآية.
ولو سلم عدم تأيد هذه بتلك عاد إلى لفظ مشترك لا قرينة عليه من الكلام تبين المراد فيتوقف على ما يشرحه من السنة ، وقد وردت عدة أخبار من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في جواز الأخذ بالخيرة من السبحة وغيرها عند الحيرة.
وحقيقته أن الإنسان إذا أراد أن يقدم على أمر كان له أن يعرف وجه المصلحة فيه بما أغرز الله فيه من موهبة الفكر أو بالاستشارة ممن له صلاحية المعرفة بالصواب والخطإ ، وإن لم يهده ذلك إلى معرفة وجه الصواب ، وتردد متحيرا كان له أن يعين ما ينبغي أن يختاره بنوع من التوجه إلى ربه.
وليس في اختيار ما يختاره الإنسان بهذا النوع من الاستخارة دعوى علم الغيب ولا تعرض لما يختص بالله سبحانه من شئون الألوهية ، ولا شرك بسبب تشريك غير الله تعالى إياه في تدبير الأمور ولا أي محذور ديني آخر إذ لا شأن لهذا العمل إلا تعين الفعل أو الترك من غير إيجاب ولا تحريم ولا أي حكم تكليفي آخر ، ولا كشف عما وراء حجب الغيب من خير أو شر إلا أن خير المستخير في أن يعمل أو يترك فيخرج عن الحيرة والتذبذب.
وأما ما يستقبل الفعل أو الترك من الحوادث فربما كان فيه خير وربما كان فيه شر على حد ما لو فعله أو تركه عن فكر أو استشارة ، فهو كالتفكر والاستشارة طريق لقطع الحيرة والتردد في مقام العمل ، ويترتب على الفعل الموافق له ما كان يترتب عليه لو فعله عن فكر أو مشورة.
نعم ربما أمكن لمتوهم أن يتوهم التعرض لدعوى علم الغيب فيما ورد من التفؤل بالقرآن ونحوه فربما كانت النفس تتحدث معه بيمن أو شامة ، وتتوقع خيرا أو شرا أو نفعا أو ضرا ، لكن قد ورد في الصحيح من طرق الفريقين: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتفاءل بالخير ويأمر به ، وينهى عن التطير ويأمر بالمضي معه والتوكل على الله تعالى.
فلا مانع من التفؤل بالكتاب ونحوه فإن كان معه ما يتفأل به من الخير وإلا مضى في الأمر متوكلا على الله تعالى ، وليس في ذلك أزيد مما يطيب به الإنسان نفسه في الأمور والأعمال التي يتفرس فيها السعادة والنفع ، وسنستوفي البحث المتعلق بهذا المقام في كلام موضوع لهذا الغرض بعينه.
فتبين أن ما وقع في بعض التفاسير من حمل الأزلام على سهم التفؤل واستنتاج حرمة الاستخارة بذلك مما لا ينبغي المصير إليه.
وأما قوله:"رجس من عمل الشيطان"فالرجس الشيء القذر على ما ذكره الراغب في مفرداته فالرجاسة بالفتح كالنجاسة والقذارة هو الوصف الذي يبتعد ويتنزه عن الشيء بسببه لتنفر الطبع عنه.
وكون هذه المعدودات من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسا هو اشتمالها على وصف لا تستبيح الفطرة الإنسانية الاقتراب منها لأجله ، وليس إلا أنها بحيث لا تشتمل على شيء مما فيه سعادة إنسانية أصلا سعادة يمكن أن تصفو وتتخلص في حين من الأحيان كما ربما أومأ إليه قوله تعالى:"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما":"البقرة: 291"، حيث غلب الإثم على النفع ولم يستثن.