فهرس الكتاب

الصفحة 1190 من 4314

و لعله لذلك نسب هذه الأرجاس إلى عمل الشيطان ولم يشرك له أحدا ، ثم قال في الآية التالية:"إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة".

وذلك أن الله سبحانه عرف الشيطان في كلامه بأنه عدو للإنسان لا يريد به خيرا البتة قال تعالى:"إن الشيطان للإنسان عدو مبين":"يوسف: 5"، وقال:"كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله":"الحج: 4"، وقال:"و إن يدعون إلا شيطانا مريدا ، لعنه الله":"النساء: 181"، فأثبت عليه لعنته وطرده عن كل خير.

وذكر أن مساسه بالإنسان وعمله فيه إنما هو بالتسويل والوسوسة والإغواء من جهة الإلقاء في القلب كما قال تعالى حكاية عنه:"قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم ، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين":"الحجر: 42"، فهددهم إبليس بالإغواء فقط ، ونفى الله سبحانه سلطانه إلا عن متبعيه الغاوين ، وحكى عنه فيما يخاطب بني آدم يوم القيامة قوله:"و ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي":"إبراهيم: 22"، وقال في نعت دعوته:"يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان - إلى أن قال - إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم"فبين أن دعوته لا كدعوة إنسان إنسانا إلى أمر بالمشافهة بل بحيث يرعى الداعي المدعو من غير عكس.

وقد فصل القول في جميع ذلك قوله تعالى:"من شر الوسواس الخناس ، الذي يوسوس في صدور الناس":"الناس: 5"، فبين أن الذي يعمل الشيطان بالتصرف في الإنسان هو أن يلقي الوسوسة في قلبه فيدعوه بذلك إلى الضلال.

فيتبين بذلك كله أن كون الخمر وما ذكر بعدها رجسا من عمل الشيطان هو أنها منتهية إلى عمل الشيطان الخاص به ، ولا داعي لها إلى الإلقاء والوسوسة الشيطانية التي تدعو إلى الضلال ، ولذلك سماها رجسا وقد سمى الله سبحانه الضلال رجسا في قوله:"و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ، وهذا صراط ربك مستقيما":"الأنعام: 162".

ثم بين معنى كونها رجسا ناشئا من عمل الشيطان بقوله في الآية التالية:"إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة"أي إنه لا يريد لكم في الدعوة إليها إلا الشر ولذلك كانت رجسا من عمله.

فإن قلت: ملخص هذا البيان أن معنى كون الخمر وأضرابها رجسا هو كون عملها أو شربها مثلا منتهيا إلى وسوسة الشيطان وإضلاله فحسب ، والذي تدل عليه عدة من الروايات أن الشيطان هو الذي ظهر للإنسان وعملها لأول مرة وعلمه إياها.

قلت: نعم ، وهذه الأخبار وإن كانت لا تتجاوز الآحاد بحيث يجب الأخذ بها إلا أن هناك أخبارا كثيرة متنوعة واردة في أبواب متفرقة تدل على تمثل الشيطان للأنبياء والأولياء وبعض أفراد الإنسان من غيرهم كأخبار أخر حاكية لتمثل الملائكة ، وأخرى دالة على تمثل الدنيا والأعمال وغير ذلك والكتاب الإلهي يؤيدها بعض التأييد كقوله تعالى:"فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا":"مريم: 17"، وسنستوفي هذا البحث إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الإسراء في الكلام على قوله تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده":"الإسراء: 1"، أو في محل آخر مناسب لذلك."

والذي يجب أن يعلم أن ورود قصة ما في خبر أو أخبار لا يوجب تبدل آية من الآيات مما لها من الظهور المؤيد بآيات أخر ، وليس للشيطان من الإنسان إلا التصرف الفكري فيما كان له ذلك بمقتضى الآيات الشريفة ، ولو أنه تمثل لواحد من البشر فعمل شيئا أو علمه إياه لم يزد ذلك على التمثل والتصرف في فكره أو مساسه علما فانتظر ما سيوافيك من البحث.

وأما قوله تعالى:"فاجتنبوه لعلكم تفلحون"فتصريح بالنهي بعد بيان المفسدة ليكون أوقع في النفوس ثم ترج للفلاح على تقدير الاجتناب ، وفيه أشد التأكيد للنهي لتثبيته أن لا رجاء لفلاح من لا يجتنب هذه الأرجاس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت