فهرس الكتاب

الصفحة 1192 من 4314

و في إفراز الصلاة عن الذكر في قوله تعالى:"و يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة"مع كون الصلاة من أفراد الذكر دلالة على مزيد الاهتمام بأمرها لكونها فردا كاملا من الذكر ، وقد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنه قال: الصلاة عمود الدين ، ودلالة القرآن الكريم في آيات كثيرة جدا على الاهتمام بأمر الصلاة بما لا مزيد عليه مما لا يتطرق إليه شك وفيها مثل قوله تعالى:"قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون"إلى آخر الآيات:"المؤمنون: 2"، وقوله تعالى:"و الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين":"الأعراف: 107"، وقوله تعالى:"إن الإنسان خلق هلوعا ، إذا مسه الشر جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا ، إلا المصلين"الآيات:"المعارج: 22"وقوله:"اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر":"العنكبوت: 45 ، وقال تعالى:"فاسعوا إلى ذكر الله":"الجمعة: 9"، يريد به الصلاة ، وقال:"و أقم الصلاة لذكري":"طه: 14"، إلى غير ذلك من الآيات."

وقد ذكر سبحانه أولا ذكره وقدمه على الصلاة لأنها هي البغية الوحيدة من الدعوة الإلهية ، وهو الروح الحية في جثمان العبودية ، والخميرة لسعادة الدنيا والآخرة يدل على ذلك قوله تعالى لآدم أول يوم شرع فيه الدين: "قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ، ونحشره يوم القيامة أعمى":"طه: 142" ، وقوله تعالى: "و يوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ء أنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ، قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا":"الفرقان: 18" ، وقوله تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم":"النجم: 30".

فالذكر في الآيات إنما هو ما يقابل نسيان جانب الربوبية المستتبع لنسيان العبودية وهو السلوك الديني الذي لا سبيل إلى إسعاد النفس بدونه قال تعالى: "و لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم":"الحشر: 19".

وأما قوله تعالى:"فهل أنتم منتهون"فهو استفهام توبيخي فيه دلالة ما على أن المسلمين لم يكونوا ينتهون عن المناهي السابقة على هذا النهي ، والآية أعني قوله:"إنما يريد الشيطان أن يوقع ،"إلخ"كالتفسير يفسر بها قوله:"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"أي إن النفع الذي فرض فيهما مع الإثم ليس بحيث يمكن أن يفرز أحيانا من الإثم أو من الإثم الغالب عليه كالكذب الذي فيه إثم ونفع ، وربما أفرز نفعه من إثمه كالكذب لمصلحة إصلاح ذات البين."

وذلك لمكان الحصر في قوله:"إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ، إلخ"بعد قوله:"رجس من عمل الشيطان"فالمعنى أنها لا تقع إلا رجسا من عمل الشيطان ، وأن الشيطان لا يريد بها إلا إيقاع العداوة والبغضاء بينكم في الخمر والميسر وصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فلا يصاب لها مورد يخلص فيه النفع عن الإثم حتى تباح فيه ، فافهم ذلك.

قوله تعالى:"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، إلى آخر"الآية تأكيد للأمر السابق باجتناب هذه الأرجاس أولا بالأمر بطاعة الله سبحانه وبيده أمر التشريع ، وثانيا بالأمر بطاعة الرسول وإليه الإجراء ، وثالثا بالتحذير صريحا.

ثم في قوله:"فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين"تأكيد فيه معنى التهديد وخاصة لاشتماله على قوله:"فاعلموا"فإن فيه تلويحا إلى أنكم إن توليتم واقترفتم هذه المعاصي فكأنكم ظننتم أنكم كابرتم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نهيه عنها وغلبتموه ، وقد جهلتم أو نسيتم أنه رسول من قبلنا ليس له من الأمر شيء إلا بلاغ مبين لما يوحى إليه ويؤمر بتبليغه ، وإنما نازعتم ربكم في ربوبيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت