فهرس الكتاب

الصفحة 1193 من 4314

و قد تقدم في أول الكلام أن الآيات تشتمل على فنون من التأكيد في تحريم هذه الأمور ، وهي الابتداء بقوله: يا أيها الذين آمنوا ، ثم الإتيان بكلمة الحصر ، ثم التوصيف بالرجس ، ثم نسبتها إلى عمل الشيطان ، ثم الأمر بالاجتناب صريحا ، ثم رجاء الفلاح في الاجتناب ، ثم ذكر مفاسدها العامة من العداوة والبغضاء والصرف عن ذكر الله وعن الصلاة ، ثم التوبيخ على عدم انتهائهم ، ثم الأمر بطاعة الله ورسوله والتحذير عن المخالفة ، ثم التهديد على تقدير التولي بعد البلاغ المبين.

قوله تعالى:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا"إلى آخر الآية الطعم والطعام هو التغذي ، ويستعمل في المأكول دون المشروب ، وهو في لسان المدنيين البر خاصة ، وربما جاء بمعنى الذوق ، ويستعمل حينئذ بمعنى الشرب كما يستعمل بمعنى الأكل قال تعالى:"فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني":"البقرة: 294"، وفي بعض الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنه قال في ماء زمزم أنه طعام طعم وشفاء سقم.

والآية لا تصلح بسياقها إلا أن تتصل بالآيات السابقة فتكون دفع دخل تتعرض لحال المؤمنين ممن ابتلي بشرب الخمر قبل نزول التحريم أو قبل نزول هذه الآيات ، وذلك أن قوله فيها:"فيما طعموا"مطلق غير مقيد بشيء مما يصلح لتقييده ، والآية مسوقة لرفع الحظر عن هذا الطعام المطلق ، وقد قيد رفع الحظر بقوله:"إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا"والمتيقن من معنى هذا القيد - وقد ذكر فيه التقوى ثلاث مرات - هو التقوى الشديد الذي هو حق التقوى.

فنفي الجناح للمؤمنين المتقين عن مطلق ما طعموا الطعام المحلل إن كان لغرض إثبات المفهوم في غيرهم أي إثبات مطلق المنع لغير أهل التقوى من سائر المؤمنين والكفار ناقضه أمثال قوله تعالى:"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة": الأعراف: 32 ، على أن من المعلوم من مذاق هذا الدين أنه لا يمنع أحدا عن الطيبات المحللة التي تضطر الفطرة إلى استباحتها في الحياة.

وإن لم تكن الآية مسوقة لتحريمه على غير من ذكر عاد المعنى إلى مثل قولنا: يجوز الطعام للذين آمنوا وعملوا الصالحات بشرط أن يتقوا ثم يتقوا ثم يتقوا ، ومن المعلوم أن الجواز لا يختص بالذين آمنوا وعملوا الصالحات بل يعمهم وغيرهم ، وعلى تقدير اختصاصه بهم لا يشترط فيه هذا الشرط الشديد.

ولا يخلو عن أحد هذين الإشكالين جميع ما ذكروه في توجيه الآية بناء على حمل قوله:"فيما طعموا"على مطلق الطعام المحلل فإن المعنى الذي ذكروه لا يخرج عن حدود قولنا: لا جناح على الذين آمنوا وعملوا الصالحات إذا اتقوا المحرمات أن يطعموا المحللات ، ولا يسلم هذا المعنى عن أحد الإشكالين كما هو واضح.

وذكر بعضهم: أن في الآية حذفا ، والتقدير: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره إذا ما اتقوا المحارم ، وفيه أنه تقدير من غير دليل مع بقاء المحذور على حاله.

وذكر بعضهم: أن الإيمان والعمل الصالح جميعا ليس بشرط حقيقي بل المراد بيان وجوب اتقاء المحارم فشرك معه الإيمان والعمل الصالح للدلالة على وجوبه ، وفيه أن ظاهر الآية أنها مسوقة لنفي الجناح فيما طعموا ، ولا شرط له من إيمان أو عمل صالح أو اتقاء محارم على ما تقدم ، وما أبعد المعنى الذي ذكره عن ظاهر الآية.

وذكر بعضهم: أن المؤمن يصح أن يطلق عليه أنه لا جناح عليه ، والكافر مستحق للعقاب فلا يصح أن يطلق عليه هذا اللفظ ، وفيه أنه لا يصح تخصيص المؤمنين بالذكر فليكن مثل قوله تعالى:"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق":"الأعراف: 32"، وقوله:"قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا":"الأنعام: 154"حيث لم يذكر في الخطاب مؤمن ولا كافر ، أو مثل قوله:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى - إلى قوله - إن أكرمكم عند الله أتقاكم":"الحجرات: 13"حيث وجه الخطاب إلى الناس الشامل للمؤمن والكافر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت