و ذكر بعضهم: أن الكافر قد سد على نفسه طريق معرفة التحريم والتحليل فلذلك خص المؤمن بالذكر ، وفيه ما في سابقه من الإشكال مع أنه لا يرفع الإشكال الناشىء من قوله:"إذا ما اتقوا""إلخ".
فالذي ينبغي أن يقال: إن الآية في معنى الآيات السابقة عليها على ما هو ظاهر اتصالها بها ، وهي متعرضة لحال من ابتلي من المسلمين بشرب الخمر وطعمها ، أو بالطعم لشيء منها أو مما اقتناه بالميسر أو من ذبيحة الأنصاب كأنهم سألوا بعد نزول التحريم الصريح عن حال من ابتلي بشرب الخمر ، أو بها وبغيرها مما ذكره الله تعالى في الآية قبل نزول التحريم من إخوانهم الماضين أو الباقين المسلمين لله سبحانه في حكمه.
فأجيب عن سؤالهم أن ليس عليهم جناح إن كانوا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات إن كانوا جارين على صراط التقوى بالإيمان بالله والعمل الصالح ثم الإيمان بكل حكم نازل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم الإحسان بالعمل على طبق الحكم النازل.
وبذلك يتبين أن المراد بالموصول في قوله:"فيما طعموا"هو الخمر من حيث شربها أو جميع ما ذكر من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام من حيث ما يصح أن يتعلق بها من معنى الطعم ، والمعنى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ذاقوه قبل نزول التحريم من خمر أو منها ومن غيرها من المحرمات المذكورة.
وأما قوله:"إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا"فظاهر قوله:"إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات"إنه إعادة لنفس الموضوع المذكور في قوله:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح"للدلالة على دخالة الوصف في الحكم الذي هو نفي الجناح كقوله تعالى في خطاب المؤمنين:"ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر":"البقرة: 223"، وهو شائع في اللسان.
وظاهر قوله:"ثم اتقوا وآمنوا"اعتبار الإيمان بعد الإيمان ، وليس إلا الإيمان التفصيلي بكل حكم حكم مما جاء به الرسول من عند ربه من غير رد وامتناع ، ولازمه التسليم للرسول فيما يأمر به وينهى عنه قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله":"الحديد: 28"، وقال تعالى:"و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله - إلى أن قال - فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما":"النساء - 65 ، والآيات في هذا المعنى كثيرة."
وظاهر قوله:"ثم اتقوا وأحسنوا"إضافة الإحسان إلى الإيمان بعد الإيمان اعتبارا ، والإحسان هو إتيان العمل على وجه حسنة من غير نية فاسدة كما قال تعالى:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا":"الكهف: 30"، وقال:"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم": آل عمران: 127"، أي يكون استجابتهم ابتغاء لوجه الله وتسليما لأمره لا لغرض آخر ، ومن الإحسان ما يتعدى إلى الغير ، وهو أن يوصل إلى الغير ما يستحسنه ، قال تعالى:"و بالوالدين إحسانا":"البقرة: 83"، وقال:"و أحسن كما أحسن الله إليك":"القصص: 77"."
والمناسب لمورد الآية هو المعنى الأول من معنيي الإحسان ، وهو إتيان الفعل على جهة حسنة فإن التقوى الديني لا يوفى حقه بمجرد الإيمان بالله وتصديق حقية دينه ما لم يؤمن تفصيلا بكل واحد واحد من الأحكام المشرعة في الدين فإن رد الواحد منها رد لأصل الدين ، ولا أن الإيمان التفصيلي بكل واحد واحد يوفى به حق التقوى ما لم يحسن بالعمل بها وفي العمل بها بأن يجري على ما يقتضيه الحكم من فعل أو ترك ، ويكون هذا الجري ناشئا من الانقياد والاتباع لا عن نية نفاقية فمن الواجب على المتزود بزاد التقوى أن يؤمن بالله ويعمل صالحا ، وأن يؤمن برسوله في جميع ما جاء به ، وأن يجري في جميع ذلك على نهج الاتباع والإحسان.
وأما تكرار التقوى ثلاث مرات ، وتقييد المراتب الثلاث جميعا به فهو لتأكيد الإشارة إلى وجوب مقارنة المراتب جميعا للتقوى الواقعي من غير غرض آخر غير ديني ، وقد مر في بعض المباحث السابقة أن التقوى ليس مقاما خاصا دينيا بل هو حالة روحية تجامع جميع المقامات المعنوية أي أن لكل مقام معنوي تقوى خاصا يختص به.