فتلخص من جميع ما مر أن المراد بالآية أعني قوله:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا"إلى آخر الآية ، أنه لا جناح على الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيما ذاقوه من خمر أو غيره من المحرمات المعدودة بشرط أن يكونوا ملازمين للتقوى في جميع أطوارهم ومتلبسين بالإيمان بالله ورسوله ، ومحسنين في أعمالهم عاملين بالواجبات وتاركين لكل محرم نهوا عنه فإن اتفق لهم أن ابتلوا بشيء من الرجس الذي هو من عمل الشيطان قبل نزول التحريم أو قبل وصوله إليهم أو قبل تفقههم به لم يضرهم ذلك شيئا.
وهذا نظير قوله تعالى في آيات تحويل القبلة في جواب سؤالهم عن حال الصلوات التي صلوها إلى غير الكعبة:"و ما كان الله ليضيع إيمانكم":"البقرة: 134".
وسياق هذا الكلام شاهد آخر على كون هذه الآية:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ، إلخ"متصلة بما قبلها من الآيات وأنها نازلة مع تلك الآيات التي لسانها يشهد أنها آخر الآيات المحرمة للخمر نزولا ، وأن بعض المسلمين كما يشعر به لسان الآيات - على ما استفدناه - آنفا لم يكونوا منتهين عن شربها ما بين الآيات السابقة المحرمة وبين هذه الآيات.
ثم وقع السؤال بعد نزول هذه الآيات عن حال من ابتلي بذلك وفيهم من ابتلي به قبل نزول التحريم ، ومن ابتلي به قبل التفقه ، ومن ابتلي به لغير عذر فأجيبوا بما يتعين به لكل طائفة حكم مسألته بحسب خصوص حاله ، فمن طعمها وهو على حال الإيمان والإحسان ، ولا يكون إلا من ذاقها من المؤمنين قبل نزول التحريم أو جهلا به فليس عليه جناح ، ومن ذاقها على غير النعت فحكمه غير هذا الحكم.
وللمفسرين في الآية أبحاث طويلة ، منها ما يرجع إلى قوله:"فيما طعموا"وقد تقدم خلاصة الكلام في ذلك.
ومنها ما يرجع إلى ذيل الآية من حيث تكرر التقوى فيه ثلاث مرات ، وتكرر الإيمان وتكرر العمل الصالح وختمها بالإحسان.
فقيل: إن المراد بقوله:"إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات"اتقوا المحرم وثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة ، وبقوله:"ثم اتقوا وآمنوا"ثم اتقوا ما حرم عليهم بعد كالخمر وآمنوا بتحريمه ، وبقوله:"ثم اتقوا وأحسنوا"ثم استمروا وثبتوا على اتقاء المعاصي واشتغلوا بالأعمال الجميلة.
وقيل: إن هذا التكرار باعتبار الحالات الثلاث: استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه وبين نفسه ، وبينه وبين الناس ، وبينه وبين الله تعالى ، والإحسان على هذا هو الإحسان إلى الناس ظاهرا.
وقيل: إن التكرار باعتبار المراتب الثلاث: المبدإ والوسط والمنتهى ، وهو حق التقوى.
وقيل: التكرار باعتبار ما يتقى فإنه ينبغي أن تترك المحرمات توقيا من العقاب ، والشبهات تحرزا عن الوقوع في الحرام ، وبعض المباحات تحفظا للنفس عن الخسة ، وتهذيبا عن دنس الطبيعة.
وقيل: إن الاتقاء الأول اتقاء عن شرب الخمر والإيمان الأول هو الإيمان بالله ، والاتقاء الثاني هو إدامة الاتقاء الأول والإيمان الثاني إدامة الإيمان الأول ، والاتقاء الثالث هو فعل الفرائض ، والإحسان فعل النوافل.
وقيل: إن الاتقاء الأول اتقاء المعاصي العقلية ، والإيمان الأول هو الإيمان بالله وبقبح هذه المعاصي ، والاتقاء الثاني اتقاء المعاصي السمعية والإيمان الثاني هو الإيمان بوجوب اجتناب هذه المعاصي ، والاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد وما يتعلق بالغير من الظلم والفساد ، والمراد بالإحسان الإحسان إلى الناس.
وقيل: إن الشرط الأول يختص بالماضي ، والشرط الثاني بالدوام على ذلك والاستمرار على فعله ، والشرط الثالث يختص بمظالم العباد ، إلى غير ذلك من أقوالهم.
وجميع ما ذكروه مما لا دليل عليه من لفظ الآية أو غيرها يوجب حمل الآية عليه ، وهو ظاهر بالتأمل في سياق القول فيها والرجوع إلى ما قدمناه.