فهرس الكتاب

الصفحة 1201 من 4314

قوله تعالى:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة"إلى آخر الآية ، الآيات في مقام بيان حكم الاصطياد من بحر أو ، بر وهو الشاهد على أن متعلق الحل هو الاصطياد في قوله:"أحل لكم صيد البحر"دون أكله ، وبهذه القرينة يتعين قوله:"و طعامه"في أن المراد به ما يؤكل دون المعنى المصدري الذي هو الأكل والمراد بحل طعام البحر حل أكله فمحصل المراد من حل صيد البحر وطعامه جواز اصطياد حيوان البحر وحل أكل ما يؤخذ منه.

وما يؤخذ من طعام البحر وإن كان أعم مما يؤخذ منه صيدا كالعتيق من لحم الصيد أو ما قذفته البحر من ميتة حيوان ونحوه إلا أن الوارد من أخبار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تفسيره بالمملوح ونحوه من عتيق الصيد ، وقوله:"متاعا لكم وللسيارة"كأنه حال من صيد البحر وطعامه ، وفيه شيء من معنى الامتنان.

وحيث كان الخطاب للمؤمنين من حيث كونهم محرمين كانت المقابلة بينهم وبين السيارة في قوة قولنا: متاعا للمحرمين وغيرهم.

واعلم أن في الآيات أبحاثا فرعية كثيرة معنونة في الكتب الفقهية من أرادها فليراجعها.

قوله تعالى:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد"ظاهر تعليق الكلام بالكعبة ثم بيانه بالبيت بأنه بيت حرام ، وكذا توصيف الشهر بالحرام ثم ذكر الهدي والقلائد اللذين يرتبط شأنهما بحرمة البيت ، كل ذلك يدل على أن الملاك فيما يبين الله سبحانه في هذه الآية من الأمر إنما هو الحرمة.

والقيام ما يقوم به الشيء ، قال الراغب: والقيام والقوام اسم لما يقوم به الشيء أي يثبت كالعماد والسناد لما يعمد ويسند به كقوله:"و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما"أي جعلها مما يمسككم ، وقوله:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس"أي قواما لهم يقوم به معاشهم ومعادهم ، قال الأصم: قائما لا ينسخ ، وقرىء: قيما بمعنى قياما ، انتهى.

فيرجع معنى قوله:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس"إلى أنه تعالى جعل الكعبة بيتا حراما احترمه ، وجعل بعض الشهور حراما ، ووصل بينهما حكما كالحج في ذي الحجة الحرام ، وجعل هناك أمورا تناسب الحرمة كالهدي والقلائد كل ذلك لتعتمد عليه حياة الناس الاجتماعية السعيدة.

فإنه جعل البيت الحرام قبلة يوجه إليه الناس وجوههم في صلواتهم ويوجهون إليه ذبائحهم وأمواتهم ، ويحترمونه في سيىء حالاتهم ، فيتوحد بذلك جمعهم ، ويجتمع به شملهم ، ويحيى ويدوم به دينهم ، ويحجون إليه من مختلف الأقطار وأقاصي الآفاق فيشهدون منافع لهم ، ويسلكون به طرق العبودية.

ويهدي باسمه وبذكره والنظر إليه والتقرب به والتوجه إليه العالمون ، وقد بينه الله تعالى بوجه آخر قريب من هذا الوجه بقوله:"إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين": - آل عمران: 96 ، وقد وافاك في الآية في الجزء الثالث من هذا الكتاب من الكلام ما يتنور به المقام.

ونظير ذلك الكلام في كون الشهر الحرام قياما للناس وقد حرم الله فيه القتال ، وجعل الناس فيه في أمن من حيث دمائهم وأعراضهم وأموالهم ، ويصلحون فيه ما فسد أو اختل من شئون حياتهم ، والشهر الحرام بين الشهور كالموقف والمحط الذي يستريح فيه المتطرق التعبان ، وبالجملة البيت الحرام والشهر الحرام وما يتعلق بذلك من هدي وقلائد قيام للناس من عامة جهات معاشهم ومعادهم ، ولو استقرأ المفكر المتأمل جزئيات ما ينتفع به الناس انتفاعا جاريا أو ثابتا من بركات البيت العتيق والشهر الحرام من صلة الأرحام ، ومواصلة الأصدقاء ، وإنفاق الفقراء ، واسترباح الأسواق ، وموادة الأقرباء والأداني ، ومعارفة الأجانب والأباعد ، وتقارب القلوب ، وتطهر الأرواح ، واشتداد القوى ، واعتضاد الملة ، وحياة الدين ، وارتفاع أعلام الحق ، ورايات التوحيد أصاب بركات جمة ورأى عجبا.

وكان المراد من ذكر هذه الحقيقة عقيب الآيات الناهية عن الصيد هو دفع ما يتوهم أن هذه أحكام عديمة أو قليلة الجدوى ، فأي فائدة لتحريم الصيد في مكان من الأمكنة أو زمان من الأزمنة؟ وأي جدوى في سوق الهدي ونحو ذلك؟ وهل هذه الأحكام إلا مشاكلة لما يوجد من النواميس الخرافية بين الأمم الجاهلة الهمجية؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت