فهرس الكتاب

الصفحة 1229 من 4314

و ربما أحضر الروحي روح أحد من الناس في مرآة أو ماء ونحوه بالتصرف في نفس صبي - على ما هو المتعارف - وهو كغيره يرى أن الصبي إنما يبصره بالبصر الحسي ، وأن بين أبصار سائر الناظرين وبين الروح المحضر حجابا مضروبا لو كشف عنه لكانوا مثل الصبي في الظفر بمشاهدته.

وربما وجدوا الأرواح المحضرة أنها تكذب في أخبارها فيكون عجبا لأن عالم الأرواح عالم الطهارة والصفاء لا سبيل للكذب والفرية والزور إليه.

وربما أحضروا روح إنسان حي فيستنطقونه بأسراره وضمائره وصاحب الروح في حالة اليقظة مشغول بأشغاله وحوائجه اليومية لا خبر عنده من أن روحه محضر مستنطق يبث من القول ما لا يرضى هو ببثه.

وربما نوم الإنسان تنويما مغناطيسيا ثم لقن بعمل حتى ينعم بقبوله فإذا أوقظ ومضى لشأنه أتى بالعمل الذي لقنه على الشريطة التي أريد بها وهو غافل عما لقنوه وعن إنعامه بقبوله.

وبعض الروحيين لما شاهدوا صورا روحية تماثل الصور الإنسانية أو صور بعض الحيوان ظنوا أن هذه الصور في عالم المادة وظرف الطبيعة المتغيرة ، وخاصة بعض من لا يرى لغير الأمر المادي وجودا ، حتى حاول بعض هؤلاء أن يخترع أدوات صناعية يصطاد بها الأرواح ، كل ذلك استنادا منهم إلى فرضية افترضوها في النفس: أنها مبدأ مادي أو خاصة لمبدإ مادي يفعل بالشعور والإرادة ، مع أنهم لم يحلوا مشكلة الحياة والشعور حتى اليوم.

ونظير هذه الفرضية فرضية من يرى أن الروح جسم لطيف مشاكل للبدن العنصري في هيئاته وأشكاله لما وجدوا أن الإنسان يرى نفسه في المنام وهو على هيئته في اليقظة ، وربما يمثل لأرباب المجاهدات صور أنفسهم قبالا خارج أبدانهم وهي مشاكلة للصورة البدنية مشاكلة تامة ، فحكموا أن الروح جسم لطيف حال في البدن العنصري ما دام الإنسان حيا فإذا فارق البدن كان هو الموت.

وقد فاتهم أن هذه صورة إدراكية قائمة بشعور الإنسان نظيرة صورته التي يدركها من بدنه ، ونظيرة صور سائر الأشياء الخارجة المنفصلة عن بدنه ، وربما تظهر هذه الصورة المنفصلة لبعض أرباب المجاهدة أكثر من واحدة أو في هيئة غير هيئة نفسه ، وربما يرى نفسه عين نفس غيره من أفراد الناس ، فإذا لم يحكموا في هذه الصور المذكور أنها هي صورة الروح فجدير بهم أن لا يحكموا في الصورة الواحدة المشاكلة التي تتراءى لأرباب المجاهدات أنها صورة الروح.

وحقيقة الأمر أن هؤلاء نالوا شيئا من معارف النفس وفاتهم معرفة حقيقتها كما هي فأخطئوا في تفسير ما نالوه وضلوا في توجيه أمره ، والحق الذي يهدي إليه البرهان والتجربة أن حقيقة النفس التي هي هذا الشعور المتعقل المحكي عنه بقولنا"إنا"أمر مغاير في جوهره لهذه الأمور المادية كما تقدم ، وأن أقسام شعوره وأنواع إدراكاته من حس أو خيال أو تعقل من جهة كونها مدركات إنما هي متقررة في عالمه وظرفه غير الخواص الطبيعية الحاصلة في أعضاء الحس والإدراك من البدن فإنها أفعال وانفعالات مادية فاقدة في نفسها للحياة والشعور ، فهذه الأمور المشهودة الخاصة بالصلحاء وأرباب المجاهدات والرياضات غير خارجة عن حيطة نفوسهم ، وإنما الشأن في أن هذه المعلومات والمعارف كيف استقرت في النفس وأين محلها منها؟ وأن للنفس سمة علية لجميع الحوادث والأمور المرتبطة بها ارتباطا ما ، فجميع هذه الأمور الغريبة المطاوعة لأهل الرياضة والمجاهدة إنما ترتضع من إرادتهم ومشيئتهم ، والإرادة ناشئة من الشعور ، فللشعور الإنساني دخل في جميع الحوادث المرتبطة به والأمور المماسة له.

8 -فمن الحري أن نقسم المشتغلين بعرفان النفس في الجملة إلى طائفتين: إحداهما المشتغلون بالاشتغال بإحراز شيء من آثار النفس الغريبة الخارجة عن حومة المتعارف من الأسباب والمسببات المادية ، كأصحاب السحر والطلسمات وأصحاب تسخير روحانيات الكواكب والموكلين على الأمور والجن وأرواح الآدميين وأصحاب الدعوات والعزائم ونحو ذلك.

والثانية المشتغلون بمعرفة النفس بالانصراف عن الأمور الخارجة عنها والانجذاب نحوها للغور فيها ومشاهدة جوهرها وشئونها كالمتصوفة على اختلاف طبقاتهم ومسالكهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت