فهرس الكتاب

الصفحة 1230 من 4314

و ليس التصوف مما أبدعه المسلمون من عند أنفسهم لما أنه يوجد بين الأمم التي تتقدمهم في النشوء كالنصارى وغيرهم حتى الوثنية من البرهمانية والبوذية ، ففيهم من يسلك الطريقة حتى اليوم بل هي طريقة موروثة ورثوها من أسلافهم.

لكن لا بمعنى الأخذ والتقليد العادي كوراثة الناس ألوان المدنية بعضهم من بعض وأمة منهم متأخرة من أمة منهم متقدمة كما جرى على ذلك عدة من الباحثين في الأديان والمذاهب وذلك لما عرفت في الفصول السابقة أن دين الفطرة يهدي إلى الزهد والزهد يرشد إلى عرفان النفس فاستقرار الدين بين أمة وتمكنه من قلوبهم يعدهم ويهيؤهم لأن تنشأ بينهم طريقة عرفان النفس لا محالة ، ويأخذ بها بعض من تمت في حقه العوامل المقتضية لذلك ، فمكث الحياة الدينية في أمة من الأمم برهة معتدا بها ينشىء بينهم هذه الطريقة لا محالة صحيحة أو فاسدة وإن انقطعوا عن غيرهم من الأمم الدينية كل الانقطاع ، وما هذا شأنه لا ينبغي أن يعد من السنن الموروثة التي يأخذها جيل عن جيل.

9 -ثم ينبغي أن نقسم أصحاب القسم الثاني من القسمين المتقدمين وهم أهل العرفان حقيقة إلى طائفتين: فطائفة منهم يسلكون الطريقة لنفسها فيرزقون شيئا من معارفها من غير أن يتم لهم تمام المعرفة لها لأنهم لما كانوا لا يريدون غير النفس فهم في غفلة عن أمر صانعها وهو الله عز اسمه الذي هو السبب الحق الآخذ بناصية النفس في وجودها وآثار وجودها وكيف يسع الإنسان تمام معرفة شيء مع الذهول عن معرفة أسباب وجوده وخاصة السبب الذي هو سبب كل سبب؟ وهل هو إلا كمن يدعي معرفة السرير على جهل منه بالنجار وقدومه ومنشاره وغرضه في صنعه إلى غير ذلك من علل وجود السرير؟.

ومن الحري بهذا النوع من معرفة النفس أن يسمى كهانة بما في ذيله من الحصول على شيء من علوم النفس وآثارها.

وطائفة منهم يقصدون طريقة معرفة النفس لتكون ذريعة لهم إلى معرفة الرب تعالى ، وطريقتهم هذه هي التي يرتضيها الدين في الجملة وهي أن يشتغل الإنسان بمعرفة نفسه بما أنها آية من آيات ربه وأقرب آية ، وتكون النفس طريقا مسلوكا والله سبحانه هو الغاية التي يسلك إليها"و أن إلى ربك المنتهى".

وهؤلاء طوائف مختلفة ذووا مذاهب متشتة في الأمم والنحل ، وليس لنا كثير خبرة بمذاهب غير المسلمين منهم وطرائقهم التي يسلكونها ، وأما المسلمون فطرقهم فيها كثيرة ربما أنهيت بحسب الأصول إلى خمس وعشرين سلسلة ، تنشعب من كل سلسلة منها سلاسل جزئية أخر ، وقد استندوا فيها إلا في واحدة إلى علي عليه أفضل السلام ، وهناك رجال منهم لا ينتمون إلى واحدة من هذه السلاسل ويسمون الأويسية نسبة إلى أويس القرني وهناك آخرون منهم لا يتسمون باسم ولا يتظاهرون بشعار.

ولهم كتب ورسائل مسفورة ترجموا فيها عن سلاسلهم وطرقهم ، والنواميس والآداب التي لهم وعن رجالهم ، وضبطوا فيها المنقول من مكاشفاتهم ، وأعربوا فيها عن حججهم ومقاصدهم التي بنوها عليها ، من أراد الوقوف عليها فليراجعها.

وأما البحث عن تفصيل الطرق والمسالك وتصحيح الصحيح ونقد الفاسد فله مقام آخر ، وقد تقدم في الجزء الخامس من هذا الكتاب بحث لا يخلو عن نفع في هذا الباب ، فهذه خلاصة ما أردنا إيراده من البحث المتعلق بمعنى معرفة النفس.

واعلم أن عرفان النفس بغية عملية لا يحصل تمام المعرفة بها إلا من طريق السلوك العملي دون النظري ، وأما علم النفس الذي دونه أرباب النظر من القدماء فليس يغني من ذلك شيئا ، وكذلك فن النفس العملي الذي دونه المتأخرون حديثا فإنما هو شعبة من فن الأخلاق على ما دونه القدماء ، والله الهادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت