و على هذا المعنى جرى كلامه تعالى في قوله:"و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ، إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم":"النور: 5"ونظير الآية السابقة الشارطة للعدالة قوله تعالى:"ممن ترضون من الشهداء":"البقرة: 228"فإن الرضا المأخوذ في الآية هو الرضا من المجتمع الديني ، ومن المعلوم أن المجتمع الديني بما هو ديني لا يرضى أحدا إلا إذا كان على نوع من السلوك يوثق به في أمر الدين.
وهذا هو الذي نسميه في فن الفقه بملكة العدالة وهي غير ملكة العدالة بحسب اصطلاح فن الأخلاق فإن العدالة الفقهية هي الهيئة النفسانية الرادعة عن ارتكاب الكبائر بحسب النظر العرفي والتي في فن الأخلاق هي الملكة الراسخة بحسب الحقيقة.
والذي استفدناه من معنى العدالة هو الذي يستفاد من مذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على ما ورد من طرقهم: ففي الفقيه ، بإسناده عن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: إن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان ، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك. والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه ، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته بين الناس ، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علة. فإذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالوا: ما رأينا منه إلا خيرا ، مواظبا على الصلوات ، متعاهدا لأوقاتها في مصلاه فإن ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين وذلك أن الصلاة ستر وكفارة للذنوب ، وليس يمكن الشهادة على الرجل بأنه يصلي إذا كان لا يحضر مصلاه ولا يتعاهد جماعة المسلمين. وإنما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلي ممن لا يصلي ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع ، ولو لا ذلك لم يكن لأحد أن يشهد على آخر بصلاح لأن من لا يصلي لا صلاح له بين المسلمين فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هم بأن يحرق قوما في منازلهم بتركهم الحضور لجماعة المسلمين وقد كان منهم من يصلي في بيته فلم يقبل منه ذلك فكيف تقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممن جرى الحكم من الله عز وجل ومن رسوله فيه الحرق في جوف بيته بالنار؟ وقد كان يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) . لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين إلا من علة.
أقول: ورواه في التهذيب ، مع زيادة تركناها ، والستر والعفاف كلاهما بمعنى الترك على ما في الصحاح ، والرواية - كما ترى - تجعل أصل العدالة أمرا معروفا بين المسلمين وتبين أن الأثر المترتب عليه الدال على هذه الصفة النفسية هو ترك محارم الله والكف عن الشهوات الممنوعة ، ومعرف ذلك اجتناب الكبائر من المعاصي ، ثم تجعل الدليل على ذلك كله حسن الظاهر بين المسلمين على ما بينه (عليه السلام) تفصيلا.
وفيه ، عن عبد الله بن المغيرة عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته.
وفيه ،: روى سماعة عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) : قال: لا بأس بشهادة الضعيف إذا كان عفيفا صائنا.
وفي الكافي ، بإسناده عن علي بن مهزيار عن أبي علي بن راشد قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : إن مواليك قد اختلفوا فأصلي معهم جميعا؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه.
أقول: دلالة الروايات على ما قدمناه ظاهرة ، وفيها أبحاث أخر خارجة عن غرضنا في المقام.
كلام في اليمين
حقيقة معنى قولك:"لعمري إن كذا وكذا ، وحياتي إن الأمر على ما أخبرته"أنك تعلق ما أخبرت به من الخبر وتقيده نوع تقييد في صدقه بعمرك وحياتك التي لها مكانة واحترام عندك بحيث يتلازمان في الوجود والعدم ، ولو كنت كاذبا في خبرك أبطلت مكانة حياتك واحترامها عندك فسقطت بذلك عن مستوى الإنسانية الداعية إلى الاحترام لأمر الحياة.