فهرس الكتاب

الصفحة 1238 من 4314

و معنى قولك:"أقسمك بالله أن تفعل كذا أو تترك كذا"إنك ربطت أمرك أو نهيك بالمكانة والعزة التي لله عز اسمه عند المؤمنين بحيث تكون مخالفة الأمر أو معصية النهي استهانة بمقامه تعالى وإذهابا لحرمة الإيمان به.

وكذا معنى قولك:"و الله لأفعلن كذا"وصل خاص بين عزيمتك على ما عزمت عليه من الأمر وبين ما لله سبحانه عندك من المكانة والحرمة بحسب إيمانك به بحيث يكون فسخك عزيمتك ونقضك همتك إبطالا لما له سبحانه من المكانة عندك ، والغرض من ذلك أن تكون على رادع من فسخ العزيمة ونقض الهمة فالقسم إيجاد ربط خاص بين شيء من الخبر أو الإنشاء وبين شيء آخر ذي مكانة وشرف بحيث يبطل المربوط إليه ببطلان المربوط بحسب الدعوى ، وحيث كان المربوط إليه ذا مكانة وشرف عند الجاعل مثلا لا يرضى بإذهاب مكانته والإهانة بمقامه فهو صادق في خبره أو مطاع فيما يأمر به أو ينهى عنه ، أو ماض في عزيمته من غير فسخ لا محالة ، ونتيجته التأكيد البالغ.

ويوجد في اللغات نوع آخر من جعل الربط يقابل القسم وهو ربط الخبر مثلا بما لا قيمة له ولا شرافة عند المخبر ليدل بذلك على الاستهانة بما يخبر به أو بلغه من الخبر ويعد نوعا من الشتم وهو في اللغة العربية نادر جدا.

والحلف واليمين - فيما نعلم - من العادات الدائرة في ألسنة الناس الموروثة جيلا بعد جيل ، ولا يختص بلغة دون لغة ، وهو الدليل على أنه ليس من الشئون اللغوية اللفظية بل إنما يهدي الإنسان إليه حياته الاجتماعية في موارد يتنبه على وجوب الالتجاء إليه والاستفادة منه.

ولم تزل اليمين دائرا بين الأمم ربما يبنى عليه ويركن إليه في موارد متفرقة غير مضبوطة تحدث في مجتمعاتهم لأغراض متنوعة لدفع التهمة ورفع الفرية وتطييب النفس وتأييد الخبر حتى اعتنى بأمره القوانين المدنية وأعطتها وجهة قانونية في بعض من الموارد كحلف الرؤساء وأولياء الأمور عند تقلد المناصب الهامة وإشغال المقامات العظيمة العالية وغير ذلك.

وقد اعتنى الإسلام بشأن اليمين اعتناء تاما إذا وقع على الله سبحانه خاصة ، وليس ذلك إلا في ظل العناية برعاية حرمة المقام الربوبي ووقاية ساحته تعالى أن يواجه بما يأباه ناموس الربوبية والعبودية ، ولذلك وضعت كفارة خاصة عند حنث اليمين ، وكره الإكثار من الحلف بالله عز شأنه ، قال تعالى:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين ،"الآية:"المائدة: 89"وقال تعالى:"و لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم": البقرة: 242"."

واعتبر اليمين في موارد من القضاء خلت عن البينة ، قال تعالى:"فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا"الآية:"المائدة: 170"ومن كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) : البينة على المدعي واليمين على من أنكر.

وحقيقة اعتبار اليمين الاكتفاء بدلالة نفس الإيمان فيما لا دليل سواه ، وذلك أن المجتمع الديني مبني على إيمان الأفراد بالله ، والإنسان المؤمن هو الجزء من هذا المركب المؤلف ، وهو المنبع الذي ينبع منه السنن المتبعة والأحكام الجارية ، وبالجملة جميع الآثار البارزة في القوم الناشئة من حالتهم الدينية كما أن المجتمع غير الديني مبني على إيمان الأفراد بمقاصدهم القومية ، ومنها تنشأ السنن والقوانين المدنية والآداب والرسوم الدائرة بينهم.

فإذا كان كذلك وصح الاعتماد في جميع الشئون الاجتماعية والاتكاء في عامة لوازم الحياة على إيمان الأفراد بطرق مختلفة كان من الجائز أن يعتمد على إيمانهم في ما لا دليل آخر يعتمد عليه ، وهو اليمين فيما لا بينة عليه بأن يربط المنكر ما ينكره من دعوى المدعي ويقيده بإيمانه بحيث يزول اعتبار إيمانه بالله ببطلان إنكاره وظهور كذبه فيما أظهره وأخبر به.

فإيمانه بسبب ما عقده باليمين بمنزلة مال الرهن الذي يجعل تحت تسلط الدائن ويراعي في عوده إلى سلطة راهن صدق وعده وتأديته الدين إلى أجل وإلا ذهب المال وبقي صفر اليد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت