فهرس الكتاب

الصفحة 1249 من 4314

فهل كان ذلك لكون الحواريين وهم السائلون أساءوا الأدب في سؤالهم؟ لأن لفظهم لفظ من يشك في قدرة الله سبحانه ففي اقتراحات الأمم السابقة عليهم من الإهانة بمقام ربهم والسخرية والهزء بأنبيائهم وكذا ما توجد حكايته في القرآن من طواغيت قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واليهود المعاصرين له ما هو أوقح من ذلك وأشنع!.

أو أنهم لكونهم مؤمنين قبل السؤال والنزول لو كفروا بعد النزول ومشاهدة الآية الباهرة استحقوا هذا الوعيد على هذه الشدة؟ فالكفر بعد مشاهدة الآية الباهرة وإن كان عتوا وطغيانا كبيرا لكنه لا يختص بهم ، ففي سائر الأمم أمثال لهم في ذلك ولم يوعدوا بمثل هذا الوعيد قط حتى الذين ارتدوا منهم بعد التمكن في مقام القرب والتحقق بآيات الله سبحانه كالذي يذكره الله سبحانه في قوله:"و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين":"الأعراف: 157".

والذي يمكن أن يقال في المقام أن هذه القصة بما صدر به من السؤال يمتاز بمعنى يختص به من بين سائر معجزات الأنبياء التي أتوا بها لاقتراح من أممهم أو لضرورات أخر تدعو إلى ذلك.

وذلك أن الآيات المعجزة التي يقصها الكلام الإلهي إما آيات آتاها الله الأنبياء حين بعثهم لتكون حجة مؤيدة لنبوتهم أو رسالتهم كما أوتي موسى (عليه السلام) اليد البيضاء والعصا ، وأوتي عيسى (عليه السلام) إحياء الموتى وخلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص ، وأوتي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن ، وهذه آيات أوتيت لحاجة الدعوة إلى الإيمان وإتمام الحجة على الكفار ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.

وإما آيات معجزة أتى بها الأنبياء والرسل لاقتراح الكفار عليهم كناقة صالح ، ويلحق بها المخوفات والمعذبات المستعملة في الدعوة كآيات موسى (عليه السلام) على قوم فرعون من الجراد والقمل والضفادع وغير ذلك في سبع آيات ، وطوفان نوح ، ورجفة ثمود وصرصر عاد وغير ذلك ، وهذه أيضا آيات متعلقة بالمعاندين الجاحدين.

وإما آيات أراها الله المؤمنين لحاجة مستها ، وضرورة دعت إليها ، كانفجار العيون من الحجر ونزول المن والسلوى على بني إسرائيل في التيه ، ورفع الطور فوق رءوسهم وشق البحر لنجاتهم من فرعون وعمله ، فهذه آيات واقعة لإرهاب العاصين المستكبرين أو كرامة للمؤمنين لتتم كلمة الرحمة في حقهم من غير أن يكونوا قد اقترحوها.

ومن هذا الباب المواعيد التي وعدها الله في كتابه المؤمنين كرامة لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) كوعد فتح مكة ومقت المشركين من كفار قريش وغلبة الروم إلى غير ذلك.

فهذه أنواع الآيات المقتصة في القرآن والمذكورة في التعليم الإلهي ، وأما اقتراح الآية بعد نزول الآية فهو من التهوس يعده التعليم الإلهي من الهجر الذي لا يعبأ به كاقتراح أهل الكتاب أن ينزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم كتابا من السماء مع وجود القرآن بين أيديهم ، قال تعالى:"يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة - إلى أن قال - لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا":"النساء: 166".

وكما سأل المشركون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنزال الملائكة أو إراءة ربهم تعالى وتقدس قال تعالى:"و قال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا":"الفرقان: 21"وقال تعالى:"و قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ، انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا":"الفرقان: 9"إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

وليس ذلك كله إلا لأن عنوان نزول الآية هو ظهور الحق وتمام الحجة فإذا نزلت فقد ظهر الحق وتمت الحجة فلو أعيد سؤال نزول الآية وقد نزلت وحصل الغرض فلا عنوان له إلا العبث بآيات الله واللعب بالمقام الربوبي والتذبذب في القبول ، وفيه أعظم العتو والاستكبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت