و هذا لو صدر عن المؤمنين لكان الذنب فيه أكثف والإثم فيه أعظم فما ذا يصنع المؤمن بنزول الآية السماوية وهو مؤمن وخاصة إذا كان ممن شاهد آيات الله فآمن عن مشاهدتها؟ وهل هو إلا أشبه شيء بما يقترحه أرباب الهوى والمترفون في مجالس الأنس وحفل التفكه من المشعوذين أو أصحاب الرياضات العجيبة أن يطيبوا عيشهم بإتحافهم بأعجب ما يقدرون عليه من الشعبذة والأعمال الغريبة؟.
والذي يفيده ظاهر قوله تعالى:"إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة"أنهم اقترحوا على المسيح (عليه السلام) أن يريهم آية خاصة وهم حواريوه المختصون به وقد رأوا تلك الآيات الباهرة والكرامات الظاهرة فإنه (عليه السلام) لم يرسل إلى قومه إلا بالآيات المعجزة كما يعطيه قوله تعالى:"و رسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ، إلخ":"آل عمران: 49".
وكيف يتصور في من آمن بالمسيح (عليه السلام) أن لا يعثر منه على آية وهو (عليه السلام) بنفس وجوده آية خلقه الله من غير أب وأيده بروح القدس يكلم الناس في المهد وكهلا ولم يزل مكرما بآية بعد آية حتى رفعه الله إليه وختم أمره بأعجب آية.
فاقتراحهم آية اختاروها لأنفسهم بعد هاتيك الآيات على كثرتها من قبيل اقتراح الآية بعد الآية وقد ركبوا أمرا عظيما ولذلك وبخهم عيسى (عليه السلام) بقوله:"اتقوا الله إن كنتم مؤمنين".
ولذلك بعينه وجهوا ما اقترحوا عليه وفسروا قولهم ثانيا بما يكسر سورة ما أوهمه إطلاق كلامهم ، ويزيل عنه تلك الحدة فقالوا:"نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين"فضموا إلى غرض الأكل أغراضا أخر يوجه اقتراحهم ، يريدون به أن اقتراحهم هذا ليس من قبيل التفكه بالأمور العجيبة والعبث بآيات الإلهية بل له فوائد مقصودة: من كمال علمهم وإزالة خطرات السوء من قلوبهم وشهادتهم عليها.
لكنهم مع ذلك لم يتركوا ذكر إرادة الأكل ومنه كانت الخطيئة ولو قالوا:"نريد أن نأكل منها فتطمئن قلوبنا ، إلخ"لم يلزمهم ما لزمهم إذ قالوا:"نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ، إلخ"فإن الكلام الأول يقطع جميع منابت التهوس والمجازفة دون الثاني.
ولما ألحوا عليه أجابهم عيسى (عليه السلام) إلى ما اقترحوا عليه والتمسوه وسأل ربه أن يكرمهم بها ، وهي معجزة مختصة في نوعها بأمته لأنها الآية الوحيدة التي نزلت إليهم عن اقتراح في أمر غير لازم ظاهرا وهو أكل المؤمنين منها ، ولذلك عنونها (عليه السلام) عنوانا يصلح به أن يوجه الوجه بسؤاله إلى ساحة العظمة والكبرياء فقال:"اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا"فعنونها بعنوان العيدية ، والعيد عند قوم هو اليوم الذي نالوا فيه موهبة أو مفخرة مختصة بهم من بين الناس ، وكان نزول المائدة عليهم منعوتا بهذا النعت.
ولما سأل عيسى ربه ما سأل - وحاشاه أن يسأل إلا ما يعلم أن من المرجو استجابته وأن ربه لا يمقته ولا يفضحه ، وحاشا ربه أن يرده خائبا في دعائه - استجاب له ربه دعاءه غير أنه شرط فيها لمن يكفر بها عذابا يختص به من بين جميع الناس كما أن الآية آية خاصة بهم لا يشاركهم في نوعها غيرهم من الأمم فقال الله سبحانه"إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين"، هذا.
قوله تعالى:"إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء""إذ"ظرف متعلق بمقدر والتقدير اذكر إذ قال"إلخ"، أو ما يقرب منه ، وذهب بعضهم إلى أنه متعلق بقوله في الآية السابقة:"قالوا آمنا ، إلخ"أي قال الحواريون: آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون في وقت قالوا فيه لعيسى:"هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء"والمراد أنهم ما كانوا على صدق في دعواهم ، ولا على جد في إشهادهم عيسى (عليه السلام) على إسلامهم له.
وفيه أنه مخالف لظاهر السياق ، وكيف يكون إيمانهم غير خالص؟ وقد ذكر الله أنه هو أوحى إليهم أن آمنوا بي وبرسولي وهو تعالى يمتن بذلك على عيسى (عليه السلام) على أنه لا وجه حينئذ للإظهار في قوله:"إذ قال الحواريون ، إلخ".