فهرس الكتاب

الصفحة 1251 من 4314

و"المائدة"الخوان إذا كان فيه طعام ، قال الراغب: والمائدة الطبق الذي عليه الطعام ، ويقال لكل واحدة منهما مائدة ، ويقال: مادني يميدني أي أطعمني ، انتهى.

ومتن السؤال الذي حكي عنهم في الآية وهو قولهم:"هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء"بحسب ظاهر ما يتبادر من معناه مما يستبعد العقل صدوره عن الحواريين وهم أصحاب المسيح وتلامذته وأخصاؤه الملازمون له المقتبسون من أنوار علومه ومعارفه المتبعون آدابه وآثاره ، والإيمان بأدنى مراتبه ينبه الإنسان على أن الله سبحانه على كل شيء قدير ، لا يجوز عليه العجز ولا يغلبه العجز فكيف جاز أن يستفهموا رسولهم عن استطاعة ربه على إنزال مائدة من السماء.

ولذلك قرأ الكسائي من السبعة:"هل تستطيع ربك"بتاء المضارعة ونصب"ربك"على المفعولية أي هل تستطيع أنت أن تسأل ربك ، فحذف الفعل الناصب للمفعول وأقيم"تستطيع"مقامه ، أو أنه مفعول لفعل محذوف فقط.

وقد اختلف المفسرون في توجيهه على بناء من أكثريهم على أن المراد به غير ما يتبادر من ظاهره من الشك في قدرة الله سبحانه لنزاهة ساحتهم من هذا الجهل السخيف.

وأوجه ما يمكن أن يقال هو أن الاستطاعة في الآية كناية عن اقتضاء المصلحة ووقوع الإذن كما أن الإمكان والقدرة والقوة يكنى بها عن ذلك كما يقال:"لا يقدر الملك أن يصغي إلى كل ذي حاجة"بمعنى أن مصلحة الملك تمنعه من ذلك وإلا فمطلق الإصغاء مقدور له ، ويقال:"لا يستطيع الغني أن يعطي كل سائل"أي مصلحة حفظ المال لا تقتضيه ، ويقال:"لا يمكن للعالم أن يبث كل ما يعلمه"أي يمنعه عن ذلك مصلحة الدين أو مصلحة الناس والنظام الدائر بينهم ، ويقول أحدنا لصاحبه:"هل تستطيع أن تروح معي إلى فلان"؟ وإنما السؤال عن الاستطاعة بحسب الحكمة والمصلحة لا بحسب أصل القدرة على الذهاب ، هذا.

وهناك وجوه أخرى ذكروها: منها: أن هذا السؤال لأجل تحصيل الاطمئنان بإيمان العيان لا للشك في قدرة الله سبحانه فهو على حد قول إبراهيم (عليه السلام) فيما حكى الله عنه:"رب أرني كيف تحيي الموتى قال أ ولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي".

وفيه: أن مجرد صحة أن تسأل الآية لزيادة الإيمان واطمئنان القلب لا يصحح حمل سؤالهم عليه ولم تثبت عصمتهم كإبراهيم (عليه السلام) حتى تكون دليلا منفصلا يوجب حمل كلامهم على ما لا حزازة فيه بل الدليل على خلافه حيث لم يقولوا: نريد أن نأكل منها فتطمئن قلوبنا كما قال إبراهيم (عليه السلام) :"بلى ولكن ليطمئن قلبي"بل قالوا:"نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا"فعدوا الأكل بحيال نفسه غرضا.

على أن هذا الوجه إنما يستدعي تنزه قلوبهم عن شائبة الشك في قدرة الله سبحانه وأما حزازة ظاهر الكلام فعلى حالها.

على أنه قد تقدم في تفسير قوله تعالى:"و إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى"الآية:"البقرة: 206"أن مراده (عليه السلام) لم يكن مشاهدة تلبس الموتى بالحياة بعد الموت كما عليه بناء هذا الوجه ولو كان كذلك لكان من قبيل طلب الآية بعد العيان وهو في مقام المشافهة مع ربه بل مراده مشاهدة كيفية الإحياء بالمعنى الذي تقدم بيانه.

ومنها: أنه سؤال عن الفعل دون القدرة عليه فعبر عنه بلازمه.

وفيه: أنه لا دليل عليه ، ولو سلم فإنه إنما ينفي عنهم الجهل بالقدرة المطلقة الإلهية وأما منافاة إطلاق اللفظ للأدب العبودي فعلى حالها.

ومنها: أن في الكلام حذفا تقديره: هل تستطيع سؤال ربك؟ ويدل عليه قراءة هل تستطيع ربك والمعنى: هل تستطيع أن تسأله من غير صارف يصرفك عن ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت