فهرس الكتاب

الصفحة 1252 من 4314

و فيه أن الحذف والتقدير لا يعيد لفظة"هل يستطيع ربك"إلى قولنا هل تستطيع سؤال ربك بأي وجه فرض لمكان اختلاف الفعل في القراءتين بالغيبة والحضور ، والتقدير لا يحول الغيبة إلى الخطاب البتة ، وإن كان ولا بد فليقل: أنه من قبيل إسناد الفعل المنسوب إلى عيسى (عليه السلام) إلى ربه من جهة أن فعله فعل الله أو أن كل ما له (عليه السلام) فهو لله سبحانه ، وهذا الوجه مع كونه فاسدا من جهة أن الأنبياء والرسل إنما ينسب من أفعالهم إلى الله ما لا يستلزم نسبته إليه النقص والقصور في ساحته تعالى كالهداية والعلم ونحوهما ، وأما لوازم عبوديتهم وبشريتهم كالعجز والفقر والأكل والشرب ونحو ذلك فمما لا تستقيم نسبته إليه تعالى البتة فمشكلة ظاهر اللفظ على حالها.

ومنها: أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة والمعنى: هل يطيعك ربك ويجيب دعاءك إذا سألته ذلك ، وفيه: أنه من قبيل تبديل المشكل بما هو أشكل فإن الاستفهام عن إطاعة الله سبحانه لرسوله وانقياده له أشنع وأفظع من الاستفهام عن استطاعته.

وقد انتصر بعضهم لهذا الوجه فقال في تقريره ما محصله: أن الاستطاعة والإطاعة من مادة الطوع مقابل الكره فإطاعة الأمر فعله عن رضى واختيار ، والاستفعال في هذه المادة كالاستفعال في مادة الإجابة فإذا كان معنى استجابة: أجاب دعاءه أو سؤاله فمعنى استطاعة: أطاعه أي أنه انقاد له وصار في طوعه أو طوعا له ، والسين والتاء في المادتين على أشهر معانيهما وهو الطلب ، ولكنه طلب دخل على فعل محذوف دل عليه المذكور المترتب على المحذوف ، ومعنى استطاع الشيء: طلب وحاول أن يكون ذلك الشيء طوعا له فأطاعه وانقاد له ، ومعنى استجاب: سئل شيئا وطلب منه أن يجيب إليه فأجاب.

قال: فبهذا الشرح الدقيق تفهم صحة قول من قال من المفسرين: إن"يستطيع"هنا بمعنى يطيع وإن معنى يطيع: يفعل مختارا راضيا غير كاره فصار حاصل معنى الجملة: هل يرضى ربك ويختار أن ينزل علينا مائدة من السماء إذا نحن سألناه أو سألته لنا ذلك ، انتهى.

وفيه أولا: أنه لم يأت بشيء دون أن قاس استطاع باستجاب ثم أعطى هذا معنى ذاك وهو قياس في اللغة ممنوع.

وثانيا: أن كون الاستطاعة والإطاعة راجعين بحسب المادة إلى الطوع مقابل الكره لا يستلزم وجوب جريان الاستعمال على رعاية معنى المادة الأصلية في جميع التطورات الطارئة عليها فكثير من المواد هجرت خصوصية معناها الأصلي في ما عرضها من الهيئات الاشتقاقية نظير ضرب وأضرب وقبل وأقبل وقبل وقابل واستقبل بحسب التبادر الاستعمالي.

واعتبار المادة الأصلية في البحث عن الاشتقاقات اللغوية لا يراد به إلا الاستعلام مبلغ ما يعيش المادة الأصلية بين مشتقاتها بحسب عروض تطورات الاشتقاق عليها ، أو انقضاء أمد حياتها بحسب المعنى وتبدله إلى معنى آخر لا أن يلغى حكم التطورات ويحفظ المعنى الأصلي ما جرى اللسان ، فافهم ذلك.

فالاعتبار في اللفظ بما يفيده بحسب الاستعمال الدائر الحي لا بما تفيده المادة اللغوية وقد استعمل لفظ الاستطاعة في كلامه تعالى في أزيد من أربعين موضعا ، وهو في الجميع بمعنى القدرة ، واستعمل لفظ الإطاعة فيما يقرب من سبعين موضعا وهو في الجميع بمعنى الانقياد ، واستعمل لفظ الطوع فيما استعمل وهو مقابل الكره فكيف يسوغ أن يؤخذ لفظ يستطيع بمعنى يطيع ثم يطيع بمعنى الطوع ثم يحكم بأن يستطيع في الآية بمعنى يرضى؟.

وأما حديث أجاب واستجاب فقد استعملا معا في كلامه تعالى بمعنى واحد وورد استعمال الاستجابة في موارد هي أضعاف ما استعملت فيه الإجابة فإنك تجد الاستجابة فيما يقرب من ثلاثين موضعا ، ولا تجد الإجابة في أكثر من عشرة مواضع فكيف يقاس عليها أطاع واستطاع؟.

وكونهما بمعنى واحد ليس إلا لانطباق عنايتين مختلفتين على مورد واحد فمعنى أجاب أن الجواب تجاوز عن المسئول إلى السائل ، ومعنى استجاب أن المسئول طلب من نفسه الجواب فأداه إلى السائل.

ومن هنا يظهر أن الذي فسر به الاستجابة وهو قوله: ومعنى استجاب سئل شيئا وطلب منه أن يجيب إليه فأجاب ليس على ما ينبغي فإن باب الاستفعال هو طلب"فعل"لا طلب"افعل"وهو ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت