فهرس الكتاب

الصفحة 1253 من 4314

و ثالثا: أن السياق لا يلائم هذا المعنى إذ لو كان معنى قولهم:"هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء"إنه هل يرضى ربك أن نسأله نحن أو تسأله أنت أن ينزل علينا مائدة من السماء ، وكان غرضهم من هذا السؤال أو النزول أن يزدادوا إيمانا ويطمئنوا قلبا فما وجه توبيخ عيسى (عليه السلام) لهم بقوله:"اتقوا الله إن كنتم مؤمنين"؟ وما وجه وعيده تعالى الكافرين بها بعذاب لا يعذبه أحدا من العالمين ، وهم لم يقولوا إلا حقا ولم يسألوا إلا مسألة مشروعة ، وقد قال تعالى:"و اسألوا الله من فضله":"النساء: 32".

قوله تعالى:"قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين"توبيخ منه (عليه السلام) لهم لما يشتمل عليه ظاهر كلامهم من الاستفهام عن استطاعة ربه على إنزال المائدة فإن كلامهم مريب على أي حال.

وأما على ما قدمناه من أن الأصل في مؤاخذتهم الذي يترتب عليه الوعيد الشديد في آخر الآيات هو أنهم سألوا آية حيث لا حاجة إليها واقترحوا بما في معنى العبث بآيات الله سبحانه ، ثم تعبيرهم بما يتبادر من ظاهره كونهم كأنهم لم يعقدوا قلوبهم على القدرة الربوبية فوجه توبيخه (عليه السلام) لهم بقوله:"اتقوا الله إن كنتم مؤمنين"أظهر.

قوله تعالى:"قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين"السياق ظاهر في أن قولهم هذا عذر اعتذروا به للتخلص من توبيخه (عليه السلام) وما ذكروه ظاهر التعلق باقتراحهم الآية بنزول المائدة دون ما يظهر من قولهم: هل يستطيع ربك أن ينزل"، من المعنى الموهم للشك في إطلاق القدرة ، وهذا أيضا أحد الشواهد على أن ملاك المؤاخذة في المقام هو أنهم سألوا آية على آية من غير حاجة إليها."

وأما قولهم:"نريد أن نأكل منها ، إلخ"فقد عدوا في بيان غرضهم من اقتراح الآية أمورا أربعة: أحدها: الأكل وكان مرادهم بذكره أنهم ما أرادوا به اللعب بآيات الله بل أرادوا أن يأكلوا منها ، وهو غرض عقلائي ، وقد تقدم أن هذا القول منهم كالتسليم لاستحقاقهم التوبيخ من عيسى (عليه السلام) والوعيد الشديد من الله لمن يكفر منهم بآية المائدة.

وذكر بعضهم: أن المراد بذكر الأكل إبانة أنهم في حاجة شديدة إلى الطعام ولا يجدون ما يسد حاجتهم.

وذكر آخرون أن المراد نريد أن نتبرك بأكله.

وأنت تعلم أن المعنى الذي قرر في كل من هذين الوجهين أمر لا يدل عليه مجرد ذكر الأكل ، ولو كان مرادهم ذلك وهو أمر يدفع به التوبيخ لكان مقتضى مقام الاعتذار التصريح بذكره ، وحيث لم يذكر شيء من ذلك مع حاجة المقام إلى ذكره لو كان مرادا فليس المراد بالأكل إلا مطلق معناه من حيث إنه غرض عقلائي هو أحد أجزاء غرضهم في اقتراح نزول المائدة.

الثاني: اطمئنان القلب وهو سكونه باندفاع الخطورات المنافية للخلوص والحضور.

والثالث: العلم بأنه (عليه السلام) قد صدقهم فيما بلغهم عن ربه ، والمراد بالعلم حينئذ هو العلم اليقيني الذي يحصل في القلب بعد ارتفاع الخطورات والوساوس النفسانية عنه ، أو العلم بأنه قد صدقهم فيما وعدهم من ثمرات الإيمان كاستجابة الدعاء كما ذكره بعضهم ، لكن يبعده أن الحواريين ما كانوا يسألون إنزال المائدة من السماء إلا بدعاء عيسى (عليه السلام) ومسألته ، وبالجملة بإعجاز منه (عليه السلام) وقد كانوا رأوا منه (عليه السلام) آيات كثيرة فإنه (عليه السلام) لم يزل في حياته قرينا لآيات إلهية كبرى ، ولم يرسل إلى قومه ولم يدعهم دعوة إلا مع آيات ربه فلم يزالوا يرون ثمرات إيمانه من استجابة الدعاء إن كان المراد الثمرة التي هي استجابة دعائه (عليه السلام) ، وإن كان المراد الثمرة التي هي استجابة دعائهم أنفسهم فإنهم لم يسألوا نزول الآية بدعاء أنفسهم ، ولم تنزل إلا بدعاء عيسى (عليه السلام) .

الرابع: أن يكونوا عليها من الشاهدين عند ما يحتاج إلى الشهادة كالشهادة عند المنكرين ، والشهادة عند الله يوم القيامة ، فالمراد بها مطلق الشهادة ، ويمكن أن يكون المراد مجرد الشهادة عند الله سبحانه كما وقع في بعض قولهم الذي حكاه الله تعالى إذ قال:"ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين":"آل عمران: 53".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت