فهرس الكتاب

الصفحة 1258 من 4314

و من قال: إن مبدأ العالم هو الدهر أو الطبيعة ونفى أن يكون للعالم إله تعالى عن ذلك فقد أثبت للعالم صانعا وهو الله عز اسمه لكنه نعته بنعوت القصور والنقص والإمكان.

ومن نفى أن يكون لهذا النظام العجيب مبدأ أصلا ونفى العلية والتأثير على الرغم من صريح ما تقضي به فطرته فقد أثبت عالما موجودا ثابتا لا يقبل النفي والانعدام من رأس أي هو واجب الثبوت وحافظ ثبوته ووجوده إما نفسه وليس لطرو الزوال والتغير إلى أجزائه ، وإما غيره فهو الله تبارك وتعالى ، وله نعوت كماله.

فتبين أن الله سبحانه لا يقبل النفي أصلا إلا بظاهر من القول من غير أن يكون له معنى معقول.

والملاك في ذلك كله أن الإنسان إنما يثبت الإله تعالى من جهة الحاجة العامة في العالم إلى من يقيم أود وجوده ويدبر أمر نظامه ثم يثبت خصوصيات وجوده فما أثبته من شيء لسد هذه الخلة ورفع تلك الحاجة فهو الله سبحانه ثم إذا أثبت إلها غيره أو أثبت كثرة فإما أن يكون قد أخطأ في تشخيص صفاته وألحد في أسمائه ، أو يثبت له شريكا أو شركاء تعالى عن ذلك ، وأما نفيه وإثبات غيره فلا معنى له.

فظهر أن معنى قوله:"إلهين من دون الله"شريكين لله هما من غيره ، وإن سلم أن الكلمة لا تؤدي معنى الشركة بوجه ، قلنا: إن معناها لا يتعدى اتخاذ إلهين هما من سنخ غير الله سبحانه وأما كون ذلك مقارنا لنفي ألوهيته تعالى أو إثباتها فهو مسكوت عنه لا يدل عليه لفظ وإنما يعلم من خارج ، والنصارى لا ينفون ألوهيته تعالى مع اتخاذهم المسيح وأمه إلهين من دون الله سبحانه.

وربما استشكل بعضهم الآية بأن النصارى غير قائلين بألوهية مريم العذراء (عليها السلام) ، وذكروا في توجيهها وجوها.

لكن الذي يجب أن يتنبه عليه أن الآية إنما ذكرت اتخاذهم إياها إلهة ولم يذكر قولهم بأنها إلهة بمعنى التسمية ، واتخاذ الإله غير القول بالألوهية إلا من باب الالتزام ، واتخاذ الإله يصدق بالعبادة والخضوع العبودي قال تعالى:"أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه":"الجاثية: 23"وهذا المعنى مأثور عن أسلاف النصارى مشهود في أخلافهم.

قال الآلوسي في روح المعاني ،: إن أبا جعفر الإمامي حكى عن بعض النصارى أنه كان فيما مضى قوم يقال لهم:"المريمية"يعتقدون في مريم أنها إله.

وقال في تفسير المنار ،: أما اتخاذهم المسيح إلها فقد تقدم في مواضع من تفسير هذه السورة ، وأما أمه فعبادتها كانت متفقا عليها في الكنائس الشرقية والغربية بعد قسطنطين ، ثم أنكرت عبادتها فرقة البروتستانت التي حدثت بعد الإسلام بعدة قرون.

إن هذه العبادة التي توجهها النصارى إلى مريم والدة المسيح (عليه السلام) منها ما هو صلاة ذات دعاء وثناء واستغاثة واستشفاع ، ومنها صيام ينسب إليها ويسمى باسمها ، وكل ذلك يقرن بالخضوع والخشوع لذكرها ولصورها وتماثيلها ، واعتقاد السلطة الغيبية لها التي يمكنها بها في اعتقادهم أن تنفع وتضر في الدنيا والآخرة بنفسها أو بواسطة ابنها ، وقد صرحوا بوجوب العبادة لها ، ولكن لا يعرف عن فرقة من فرقهم إطلاق كلمة"إله"عليها بل يسمونها"والدة الإله"ويصرح بعض فرقهم أن ذلك حقيقة لا مجاز.

والقرآن يقول هنا: إنهم اتخذوها وأمها إلهين ، والاتخاذ غير التسمية فهو يصدق بالعبادة وهي واقعة قطعا ، وبين في آية أخرى أنهم قالوا: إن الله هو المسيح عيسى بن مريم ، وذلك معنى آخر ، وقد فسر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله تعالى في أهل الكتاب:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله"أنهم اتبعوهم فيما يحلون ويحرمون لا أنهم سموهم أربابا.

وأول نص صريح رأيته في عبادة النصارى لمريم عبادة حقيقية ما في كتاب"السواعي"من كتب الروم الأرثوذكس ، وقد اطلعت على هذا الكتاب في دير يسمى"دير التلميد"وأنا في أول العهد بمعاهد التعليم ، وطوائف الكاثوليك يصرحون بذلك ويفاخرون به.

وقد زين الجزويت في بيروت العدد التاسع من السنة السابعة لمجلتهم"المشرق"بصورتها وبالنقوش الملونة إذ جعلوه تذكارا لمرور خمسين سنة على إعلان البابا بيوس التاسع: أن مريم البتول حبل بها بلا دنس الخطية"وأثبتوا في هذا العدد عبادة الكنائس الشرقية لمريم كالكنائس الغربية."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت