فهرس الكتاب

الصفحة 1261 من 4314

يقول (عليه السلام) ما كان لي من الوظيفة فيهم إلا الرسالة إليهم والشهادة على أعمالهم: أما الرسالة فقد أديتها على أصرح ما يمكن ، وأما الشهادة فقد كنت عليها ما دمت فيهم ، ولم أتعد ما رسمت لي من الوظيفة فأنا براء من أن أكون ألقي إليهم أن اتخذوني وأمي إلهين من دون الله.

وقوله:"فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم"الرقوب والرقابة هو الحفظ ، والمراد به في المقام بدلالة السياق هو الحفظ على الأعمال ، وكأنه أبدل الشهيد من الرقيب احترازا عن تكرر اللفظ بالنظر إلى قوله بعد:"و أنت على كل شيء شهيد"، ولا نكتة تستدعي الإتيان بلفظ"الشهيد"ثانيا بالخصوص.

واللفظ أعني قوله:"كنت أنت الرقيب عليهم"يدل على الحصر ، ولازمه أنه تعالى كان شهيدا ما دام عيسى (عليه السلام) شهيدا وشهيدا بعده فشهادته (عليه السلام) كانت وساطة في الشهادة لا شهادة مستقلة على حد سائر التدبيرات الإلهية التي وكل عليها بعض عباده ثم هو على كل شيء وكيل كالرزق والإحياء والإماتة والحفظ والدعوة والهداية وغيرها ، والآيات الشريفة في ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها.

ولذلك عقب (عليه السلام) قوله:"فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم"بقوله:"و أنت على كل شيء شهيد"ليدل بذلك على أن الشهادة على أعمال أمته التي كان يتصداها ما دام فيهم كانت حصة يسيرة من الشهادة العامة المطلقة التي هي شهادة الله سبحانه على شيء فإنه تعالى شهيد على أعيان الأشياء وعلى أفعالها التي منها أعمال عباده ، التي منها أعمال أمة عيسى ما دام فيهم وبعد توفيه ، وهو تعالى شهيد مع الشهداء وشهيد بدونهم.

ومن هنا يظهر أن الحصر صادق في حقه تعالى مع قيام الشهداء على شهادتهم فإنه (عليه السلام) حصر الشهادة بعد توفيه في الله سبحانه مع أن لله بعده شهداء من عباده ورسله وهو (عليه السلام) يعلم ذلك.

ومن الدليل على ذلك بشارته (عليه السلام) بمجيء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - على ما يحكيه القرآن - بقوله:"يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد":"الصف: 6"وقد نص القرآن على كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الشهداء قال تعالى:"و جئنا بك على هؤلاء شهيدا":"النساء: 41".

على أن الله سبحانه حكى عنه هذا الحصر:"فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم"ولم يرده بالإبطال فالله سبحانه هو الشهيد لا غير مع وجود كل شهيد أي إن حقيقة الشهادة هي لله سبحانه كما أن حقيقة كل كمال وخير هو لله سبحانه ، وأن ما يملكه غيره من كمال أو خير أو حسن فإنما هو بتمليكه تعالى من غير أن يستلزم هذا التمليك انعزاله تعالى عن الملك ولا زوال ملكه وبطلانه ، وعليك بالتدبر في أطراف ما ذكرناه.

فبان بما أورده من بيان حاله المحكي عنه في الآيتين أنه بريء مما قاله الناس في حقه وأن لا عهدة عليه فيما فعلوه ، ولذلك ختم (عليه السلام) كلامه بقوله:"إن تعذبهم فإنهم عبادك"إلى آخر الآية.

قوله تعالى:"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم"لما اتضح بما أقام (عليه السلام) من الحجة أن لم يكن له من الوظيفة بالنسبة إلى الناس إلا أداء الرسالة والقيام بأمر الشهادة ، وأنه لم يشتغل فيهم إلا بذلك ولم يتعده إلى ما ليس له بحق فهو غير مسئول عما تفوهوا به من كلمة الكفر ، بان أنه (عليه السلام) بمعزل عن الحكم الإلهي المتعلق بهم فيما بينهم وبين ربهم ، ولذلك استأنف الكلام ثانيا فقال من غير وصل وتفريع:"إن تعذبهم ، إلخ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت