فهرس الكتاب

الصفحة 1268 من 4314

و نعني بهذا التأديب العملي ما يشير إليه قوله تعالى:"و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين":"الأنبياء: 37"فإن إضافة المصدر في قوله"فعل الخيرات""إلخ"، تدل على أن المراد به الفعل الصادر منهم من خيرات فعلوها وصلاة أقاموها وزكاة آتوها دون مجرد الفعل المفروض فهذا الوحي المتعلق بالأفعال في مرحلة صدورها منهم وحي تسديد وتأديب ، وليس هو وحي النبوة والتشريع ، ولو كان المراد به وحي النبوة لقيل:"و أوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة"كما في قوله تعالى:"ثم أوحينا إليك أن اتبع":"النحل: 132"وقوله:"و أوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة":"يونس: 87"إلى غير ذلك من الآيات ، ومعنى وحي التسديد أن يخص الله عبدا من عباده بروح قدسي يسدده في أعمال الخير والتحرز عن السيئة كما يسددنا الروح الإنساني في التفكر في الخير والشر ، والروح الحيواني في اختيار ما نشتهيه من الجذب والدفع بالإرادة ، وسيجيء الكلام المبسوط في ذلك إن شاء الله.

وبالجملة فقوله:"فبهداهم اقتده"تأديب إلهي إجمالي له (صلى الله عليه وآله وسلم) بأدب التوحيد المنبسط على أعمال الأنبياء (عليهم السلام) المنزهة من الشرك.

ثم قال تعالى - بعد ما ذكر عدة من أنبيائه (عليهم السلام) - في سورة مريم"أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ، إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا:"مريم: 60"."

فذكر تعالى أدبهم العام في حياتهم أنهم يعيشون على الخضوع عملا وعلى الخشوع قلبا لله عز اسمه فإن سجودهم عند ذكر آيات الله تعالى مثال الخضوع وبكاءهم وهو لرقة القلب وتذلل النفس آية الخشوع وهما معا كناية عن استيلاء صفة العبودية على نفوسهم بحيث كلما ذكروا بآية من آيات الله بان أثره في ظاهرهم كما استولت الصفة على باطنهم فهم على أدبهم الإلهي وهو سمة العبودية إذا خلوا مع ربهم وإذا خلوا للناس ، فهم يعيشون على أدب إلهي مع ربهم ومع الناس جميعا.

ومن الدليل على أن المراد به الأدب العام قوله تعالى في الآية الثانية:"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات"فإن الصلاة وهي التوجه إلى الله هي حالهم مع ربهم واتباع الشهوات حالهم مع غيرهم من الناس ، وحيث قوبل أولئك بهؤلاء أفاد الكلام أن أدب الأنبياء العام أن يراجعوا ربهم بسمة العبودية وأن يسيروا بين الناس بسمة العبودية أي تكون بنية حياتهم مبنية على أساس أن لهم ربا يملكهم ويدبر أمرهم ، منه بدءوهم وإليه مرجعهم فهذا هو الأصل في جميع أحوالهم وأعمالهم.

والذي ذكره تعالى من استثناء التائبين منهم أدب آخر إلهي بدأ فيه بآدم (عليه السلام) أول الأنبياء حيث قال:"و عصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى":"طه: 123"وسيجيء بعض القول فيه إن شاء الله تعالى.

وقال تعالى:"ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا":"الأحزاب: 39".

أدب عام أدب الله سبحانه به أنبياءه (عليهم السلام) وسنة جارية له فيهم أن لا يتحرجوا في ما قسم لهم من الحياة ولا يتكلفوا في أمر من الأمور إذ كانوا على الفطرة والفطرة لا تهدي إلا إلى ما جهزها الله بما يلائمها في نيله ، ولا تتكلف الاستواء على ما لم يسهل الله لها الارتقاء على مستواه ، قال تعالى حكاية عن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) :"و ما أنا من المتكلفين":"ص: 86"وقال تعالى:"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها":"البقرة: 268"وقال تعالى:"لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها":"الطلاق: 7"وإذ كان التكلف خروجا عن الفطرة فهو من اتباع الشهوة والأنبياء في مأمن منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت