و قال تعالى وهو أيضا من التأديب بأدب جامع:"يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ، وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون":"المؤمنون: 52"أدبهم تعالى أن يأكلوا من الطيبات أي أن يتصرفوا في الطيبات من مواد الحياة ولا يتعدوها إلى الخبائث التي تتنفر منها الفطرة السليمة وأن يأتوا من الأعمال بالصالح منها وهو الذي يصلح للإنسان أن يأتي به مما تميل إليه الفطرة بحسب ما جهزها الله من أسباب تحفظ بعملها بقائه إلى حين ، أو أن يأتوا بالعمل الذي يصلح أن يقدم إلى حضرة الربوبية ، والمعنيان متقاربان ، فهذا أدب يتعلق بالإنسان الفرد.
ثم وصله تعالى بأدب اجتماعي فذكر لهم أن الناس ليسوا إلا أمة واحدة: المرسلون والمرسل إليهم ، وليس لهم إلا رب واحد فليجتمعوا على تقواه ، ويقطعوا بذلك دابر الاختلافات والتحزبات ، فإذا التقى الأمران أعني الأدب الفردي والاجتماعي تشكل مجتمع واحد بشرى مصون عن الاختلاف يعبد ربا واحدا ، ويجري الآحاد منه على الأدب الإلهي فاتقوا خبائث الأفعال وسيئات الأعمال فقد استووا على أريكة السعادة.
وهذا ما جمعته آية أخرى وهي قوله تعالى:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه":"الشورى: 13".
وقد فرق الله الأدبين في موضع آخر فقال:"و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون":"الأنبياء: 25"فأدبهم بتوحيده وبناء العبادة عليه ، وهذا هو أدبهم بالنسبة إلى ربهم ، وقال:"و قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ، أو يلقى إليه كنز أو يكون له جنة يأكل منها - إلى أن قال - وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق":"الفرقان: 20"فذكر أن سيرة الأنبياء جميعا وهو أدبهم الإلهي هو الاختلاط بالناس ورفض التحجب والاختصاص والتميز من بين الناس فكل ذلك مما تدفعه الفطرة ، وهذا أدبهم في الناس.
6 -من أدب الأنبياء (عليهم السلام) في توجيههم الوجوه إلى ربهم ودعائهم إياه ما حكاه الله تعالى من قول آدم (عليه السلام) وزوجته:"ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين":"الأعراف: 23"كلمة قالاها بعد ما أكلا من الشجرة التي نهاهما الله أن يقربا منها ، وإنما كان نهي إرشاد ليس بالمولوي ، ولم يعصياه عصيان تكليف بل كان ذلك منهما مخالفة نصيحة في رعايتها صلاح حالهما ، وسعادة حياتهما في الجنة الأمنة من كل شقاء وعناء ، وقد قال لهما ربهما في تحذيرهما عن متابعة إبليس:"فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ، إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى ، وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى":"طه: 191".
فلما وقعا في المحنة وشملتهما البلية ، وأخذت سعادة الحياة يوادعهما وداع ارتحال لم يشتغلا بأنفسهما اشتغال اليائس البائس ، ولم يقطع القنوط ما بينهما وبين ربهما من السبب الموصول بل بادرا إلى الالتجاء بالله الذي إليه أمرهما ، وبيده كل خير يأملانه لأنفسهما فأخذا وتعلقا بصفة ربوبيته المشتملة على كل ما يدفع به الشر ويجلب به الخير ، فالربوبية هي الصفة الكريمة يربط العبد بالله سبحانه.
ثم ذكرا الشر الذي يهددهما بظهور آياته وهو الخسران - كأنهما اشتريا لذة الأكل بطاعة الإرشاد الإلهي فبان لهما أن سعادتهما قد أشرفت بذلك على الزوال - في الحياة ، وذكرا حاجتهما إلى ما يدفع هذا الشر عنهما فقالا:"و إن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"أي إن خسران الحياة يهددنا وقد أطل بنا وما له من دافع إلا مغفرتك للذنب الصادر عنا وغشيانك إيانا بعد ذلك برحمتك وهي السعادة لما أن الإنسان بل كل موجود مصنوع يشعر بفطرته المغروزة أن من شأن الأشياء الواقعة في منزل الوجود ومسير البقاء أن تستتم ما يعرضها من النقص والعيب ، وأن السبب الجابر لهذا الكسر هو الله سبحانه وحده فهو من عادة الربوبية.
ولذلك كان يكفي مجرد إظهار الحال ، وإبراز ما نزل على العبد من مسكنة الحاجة فلا حاجة إلى السؤال بلفظ بل في بدو الحاجة أبلغ السؤال وأفصح الاقتراح.