فهرس الكتاب

الصفحة 1272 من 4314

و من ذلك ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم (عليه السلام) في محاجته قومه:"قال أ فرأيتم ما كنتم تعبدون ، أنتم وآباؤكم الأقدمون ، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ، الذي خلقني فهو يهدين ، والذي هو يطعمني ويسقين ، وإذا مرضت فهو يشفين ، والذي يميتني ثم يحيين ، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ، رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين ، واجعل لي لسان صدق في الآخرين ، واجعلني من ورثة جنة النعيم ، واغفر لأبي إنه كان من الضالين ، ولا تخزني يوم يبعثون":"الشعراء: 87".

دعاء يدعو (عليه السلام) به لنفسه ، ولأبيه عن موعدة وعدها إياه ، وقد كان هذا أول أمره ولم ييأس بعد من إيمان أبيه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه.

وقد بدأ فيه بالثناء على ربه ثناء جميلا على ما هو أدب العبودية وهذا أول ثناء مفصل حكاه الله سبحانه عنه (عليه السلام) ، وما حكى عنه قبل ذلك ليس بهذا النحو كقوله:"يا قوم إني بريء مما تشركون ، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض":"الأنعام: 79"وقوله لأبيه:"سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا":"مريم: 47".

وقد استعمل (عليه السلام) من الأدب في ثنائه أن أتى بثناء جامع أدرج فيه عناية ربه به من بدء خلقه إلى أن يعود إلى ربه ، وأقام فيه نفسه مقام الفقر والحاجة كلها ، ولم يذكر لربه إلا الغنى والجود المحض ، ومثل نفسه عبدا داخرا لا يقدر على شيء وتقلبه المقدرة الإلهية حالا إلى حال من خلق ثم إطعام وسقي وشفاء عن مرض ثم أماته ثم إحياء ثم إشخاص إلى جزاء يوم الجزاء ، وليس له إلا الطاعة المحضة والطمع في غفران الخطيئة.

ومن الأدب المراعي في بيانه نسبة المرض إلى نفسه في قوله:"و إذا مرضت فهو يشفين"لما أن نسبته إليه تعالى في مثل المقام وهو مقام الثناء لا يخلو عن شيء ، والمرض وإن كان من جملة الحوادث وهي لا تخلو عن نسبة إليه تعالى ، لكن الكلام ليس مسوقا لبيان حدوثه حتى ينسب إليه تعالى بل لبيان أن الشفاء من المرض من رحمته وعنايته تعالى ، ولذلك نسب المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه بدعوى أنه لا يصدر منه إلا الجميل.

ثم أخذ في الدعاء واستعمل فيه من الأدب البارع أن ابتدأ باسم الرب وقصر مسألته على النعم الحقيقية الباقية من غير أن يلتفت إلى زخارف الدنيا الفانية ، واختار مما اختاره ما هو أعظم وأفخم فسأل الحكم وهو الشريعة واللحوق بالصالحين وسأل لسان صدق في الآخرين وهو أن يبعث الله بعده زمانا بعد زمان ، وحينا بعد حين من يقوم بدعوته ، ويروج شريعته ، وهو في الحقيقة سؤال أن يخصه بشريعة باقية إلى يوم القيامة ثم سأل وراثة الجنة ومغفرة أبيه وعدم الخزي يوم القيامة.

وقد أجابه الله تعالى إلى جميع ما سأله عنه على ما ينبىء به كلامه تعالى إلا دعاءه لأبيه وحاشا رب العالمين أن يذكر دعاء عبد من عباده المكرمين مما ذهب سدى لم يستجبه ، قال تعالى:"ملة أبيكم إبراهيم":"الحج: 78"وقال:"و جعله كلمة باقية في عقبه":"الزخرف: 28"وقال:"لقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين":"البقرة: 103"وحياه بسلام عام إذ قال:"سلام على إبراهيم":"الصافات: 190".

وسير التاريخ بعده (عليه السلام) يصدق جميع ما ذكره القرآن الشريف من محامده وأثنى فيه عليه فإنه (عليه السلام) هو النبي الكريم قام وحده بدين التوحيد وإحياء ملة الفطرة وانتهض لهدم أركان الوثنية ، وكسر الأصنام على حين اندرست فيه آيات التوحيد ، وعفت الأيام فيها رسوم النبوة ونسيت الدنيا اسم نوح والكرام من أنبياء الله ، فأقام دين الفطرة على ساق ، وبث دعوة التوحيد بين الناس ودين التوحيد حتى اليوم وقد مضى من زمنه ما يقرب من أربعة آلاف سنة حي باسمه باق في عقبه فإن الذي تعرفه الدنيا من دين التوحيد هو دين اليهود ونبيهم موسى ، ودين النصارى ونبيهم عيسى ، وهما من آل إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهما السلام) ، ودين الإسلام الذي بعث به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) .

ومما ذكره الله من دعائه قوله:"رب هب لي من الصالحين":"الصافات: 100"يسأل الله فيه ولدا صالحا ، وفيه اعتصام بربه ، وإصلاح لمسألته الذي هي بوجه دنيوية بوصف الصلاح ليعود إلى جهة الله وارتضائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت